رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة سد النهضة والحلول العلمية


في سابقة تاريخية وجه نتنياهو خطابا للشعب الإيراني يتعهد بتوفير تكنولوجيا تحلية مياه البحر للشعب، بعيدا عن حكومتهم (الحكومة الإيرانية الوحشية كما وصفها)، في ظل أزمة مائية تواجهها إيران، مع تفوق تكنولوجي إسرائيلي في هذا المجال، ليوجه تساؤلات عن دور إسرائيل الإقليمي نحو التحكم في مصادر المياه من خلال تفوقها التكنولوجي، وقدرتها على استخدام المياه كورقة ضغط نحو الحكومات أو نحو التطبيع..


وسبق أن اخترقت الحكومة الإسرائيلية إثيوبيا من خلال تكنولوجيا التعديل الوراثي (البقرة الإسرائيلية الأكثر إدرارا للبن على مستوى العالم)، كمشروع اقتصادي صغير في كل بيت إثيوبي كقوة ناعمة اقتصادية، كما صنفها "جوزيف س ناي"، بالإضافة إلى اللعب على وتر العاطفة الدينية بخطاب اليهود عن استعبادهم في أرض مصر، ثم التحرر نحو أرض الموعد... حسب القصص الدينية.

وبالطبع أن موارد إثيوبيا المائية ١٢٢ مليار متر مكعب يستخدم منها ٥.٦ مليارات فقط بنسبة ٤.٦٪؜ (قبل سد النهضة)، لكن هناك فاقدا كبيرا للمياه داخل إثيوبيا بالإضافة إلى مخزون المياه الجوفية، حسب أبحاث مركز الأهرام الإستراتيجي، وبالتالي لم يكن سد النهضة هو الحل الأمثل لكل الأطراف طبقا لاتفاقية ١٩٢٩ التي حددت حصة مصر ٤٨ مليار متر مكعب..

ولا نغفل انزلاق الحكومة المصرية لتويتر العلاقات مع إثيوبيا أثناء حكم السادات بدعوى مقاومة النظام الشيوعي، إلى حادثة أديس أبابا (محاولة اغتيال مبارك ١٩٩٦) لذا يتضح من مجريات الأمور أن هناك من يهدف دوما إلى تعقيد الأمور خاصة بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإثيوبي الأخيرة وأعتقد أن هذا الأسلوب لم ولن يكن مسلك الإدارة المصرية في حل الصراعات.

وعن تطور القانون الدولي بشأن الأنهار الدولية.. ورغم أن الحكومة الإثيوبية تدعي أن اتفاقيات الاحتلال الإنجليزي غير ملزمة لكن الحقيقة أن القانون الدولي يلزمها بقاعدة الاستخلاف.. وهناك نظريات مختلفة تمس القضية:

١- السيادة المطلقة (فقه هارمون): باختصار نظرية غاصبة بررت حق أمريكا الكامل كدولة منبع في نهر "ريو جراند" ضد المكسيك ١٨٩٥ م، أيضا استخدمت تركيا المنطق نفسه في تحويل نهر قويق بعيدا عن سوريا في أربعينيات القرن الماضي.. عموما هي نظرية تفتقد إلى الشرعية الدولية.


٢- الحقوق النهرية المطلقة: هي النظرية المعاكسة لفقه هارمون التي تضمن عدم المساس بالمياه أو تلويثها من دول المنبع وهي نظرية لصالح دول المصبات حسب الحصص التاريخية وبالطبع فإن التاريخ يضمن لمصر أكبر حصة لأنها أقدم حضارة على وجه الأرض بأسانيد وثوابت وكما قال "هيرودوت" مصر هبة النيل...

٣- الاقتسام العادل للمياه: هي نظرية أقل تطرفا من النظريتين السابقتين وقد كان الفقيه السويسري "سوزر هال" من أهم الداعمين لها، لأنها الأكثر إنسانية وواقعية طبقا للقانون الدولي المعاصر ويراعي الحصص التاريخية مع رفض اَي مشروعات تؤثر على حصص دول مجرى النهر.

٤- ما بين مكاسب السودان من السد العالي المصري التي مثلت ٦٠ ٪؜ من الوفر المائي لصالحه رغم تحمل مصر كامل التكلفة إلى تحمل مصر كامل تكلفة سد أوين في أوغندا فإن مصر كانت شريك في مشروعات التنمية لدول حوض النيل.

٥- تحفظت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة ١٩٩٧ الاتفاقية الإطارية للاستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية رغم أنها لا تعطي لإثيوبيا حق التصرف منفردة لكنها أتاحت لها حق إمكانية تعديل الاتفاقيات.

أخيرًا نقترح حزمة من الحلول في إطار علمي:
 
١- الضغط الدولي لإقرار حق مصر التاريخي في حصتها المائية ثم يأتي أحد أهم المسارات وهو استخدام أدوات القوة الناعمة نحو الشعب الإثيوبي حيث إن الدور الاقتصادي والتعليمي والثقافي المصري يعاني تراجعا فلا بد من الاعتماد على الدين لإحياء جذور الروابط الأرثوذكسية العميقة مع العلم أن الشعب الإثيوبي أكثر ارتباطا بالدِّين من الشعب المصري ذاته.. مع إدراك الدور الإسرائيلي المتوغل مجتمعيا قدر الإمكان.

٢- الإقرار بحق إثيوبيا في التنمية الشاملة في ظل الزيادة السكانية المصاحبة للفقر.. مع التزام مصر بالمساهمة فيها قبل دول أخرى لها مصالح ومطامع مع عدم حرمان الشعب المصري في حقه في الحياة طبقا لحقوق تاريخية كأول حضارة في العالم.

٣- مصر شريك في إقرار معامل الأمان الهندسي لسد النهضة وإن كان الخطر الأكبر على السودان.. لأن مصر لديها السد العالي إلى جانب إمكانية التصريف في مضيق توشكي.

٤- يجب أن تعمل مصر على استغلال مواردها نحو توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح وتصديرها نحو دول النيل.

٥- دول حوض النيل بالكامل هي شريك قانوني في القضية لذا فإن التعاون معهم في قضية التنمية واستخدام أدوات القوى الناعمة أصبح لزاما لا رفاهية.. مع التنويه أن مشروع نقل مياه نهر الكونغو إلى النيل أشبه بالخرافة في العصر الحالي لوجود حوائل تقنية ثم قانونية.

٦- إدراك التوغل الإسرائيلي في صناعة القرار الإثيوبي أيضا دورها الاقتصادي العالمي نحو الدول المجاورة للوصول لتحقيق أهدافها ولعل أحد أهم هذه الأهداف.. المياه.. أن الحكومة الإسرائيلية لاعب رئيسي في قضية المياه قبل الحكومة الإثيوبية ذاتها.
الجريدة الرسمية