رئيس التحرير
عصام كامل

دعاة «السبوبة»


تحول شهر رمضان المعظم، إلى موسم الربح «المادى» وقليل من «المعنوى» و«الدينى»، لمن يطلقون على أنفسهم الدعاة الجدد، دعاة «جاك أند جونز»، و«دانيال هيشتر»، و«فوسوك»، الذين يلعبون على أوتار ترقيق القلوب، بالمظهر والقول المنمق، ولا أقول بأن يكون الداعية رث المظهر ولكن، فقط أن يوسد الأمر إلى أهله، ممن درسوا العلوم الشرعية، بحق ولم يتخذوها سبيلا وطريقا، للقمة العيش، ووسيلة لعقود طويلة الأجل مع وكالات الإعلانات، والمحطات الفضائية.


هذا «الداعية» الشهير، يحاول في كل مرة يظهر فيها على الساحة أن يجتذب الناس، والأمر برمته بالنسبة له، لا يعدو كونه «باب ربح خالص» لوجه الله، يتقوت ويربح منه، ليركب من خلاله افخم السيارات، ويعيش متنقلا بين بلدان أوروبا.

هذا الذي أذكر له تصريحات كثيرة مثيرة للجدل، التقيته منذ أكثر من ٩ أعوام، وسألته، مم تتكسب عيشك؟ فرد بكل أريحية ومودة خالصة وبنظرة ابتسام لئيمة، في هذه الجلسة المحدودة الأشخاص: «الدعوة أكل عيشي».

وطالعنا هذا «الداعية» في إعلانين تجاريين في شهر رمضان لإحدى شركات الدواجن، وإحدى شركات العطور، خلط فيهما الدين بالتجارة، قائلا: إن هذه المنتجات تساعد على التقرب إلى الله عز وجل، ويصب استخدامها في قويم الدين الصحيح!

داعية شاب آخر، يستغل رمضان دائما في الظهور «الملمع» «المنمق»، مرتديا أحدث البراندات، ويتقاضى أجرا مضاعفا عن الظهور بمنتجاتها عبر الشاشة، فهذا من وجهة نظره لا يضر أن يكون على طريق الدعوة، ولا يمنع الأمر أيضا من طباعة كتاب، لإحدى دور النشر الشهيرة، على طريق الله، لا يضر هذا مع ذاك، المهم أن النية «سالكة» لوجه الله، وحلال المكسب، ما دمنا نرضي الله.

تصدى للدعوة الوسطية، من ليسوا بأهل لها، نماذج لدعاة يضعون المال والربح تاج رأس لهم، مغلفين ذلك بالحديث في الدين، وفعليا، لا نحتاج هؤلاء لإكمال صحيح الدين أو للتذكير بالفروض والعبادات، أو لترقيق القلوب، فهذا وذاك وغيرهم، فقدوا المصداقية لدى عقول العامة، ولدى قلوبهم، نستمرئ رؤيتهم ولا يعنينا ما يقولون.

أذكر مشاهد لبعض من أئمة الأزهر الشريف الذي تربيت في رحابه، يعلمون الناس أمور دينهم، في سياق الدعوة الوقورة بلا خضوع بالقول لاستمالة القلوب، ولكن بالعلم، والإسناد، والتبسيط، والدليل، والحجة، والمنطق.

صدر الأزهر الشريف، كعبة العلم، النور إلى العالم كافة بمنهج، الوسطية، والاعتدال، والبساطة، والتركيز على الجوهر، بالإيمان بالكلمة وأثرها في القلوب، الإيمان بأن أفعال الداعية قدوة وأسوة لمتابعيه، الإمام الشعراوى، فضيلة الراحل الدكتور محمد المسير، فضيلة الدكتور سعد جاويش، ونماذج أكثر وأكثر لا تعد ولا تحصى، قدمت الجدية، والهيبة، والوقار، مدمجا بالعلم النافع.

قالها لى أمام وخطيب الجمعة الأزهرى: «رفضت يا أخى الكريم عرضا لإحدى الفضائيات، مخافة أن أقع في شبهة الرياء، وأغتر بنفسي، واعجب بها، وأنسى الهدف الأجل، وهو إيصال العلم المعتدل المقنع إلى البسطاء، لا أبتغي مالا، لأن كلمتى أمانة، سيحاسبنى الله عليها، وأى مظهر للترف والبذخ زائد عن الحد سيحاسبنى الله عليه، ويكفينى فقط أن جلبابي مهندم، ورائحتى طيبة، وهيئتى نظيفة، أحمد الله على هذا ولا أبتغى غيره».

أذكر في عصر أحد الأيام كنت أمر بميدان التحرير، ووجدت عالما يرتدى الزى الأزهرى يمشي مقبلا وجهه إلى الأرض، يمسك حقيبة جلدية بسيطة، طالعته فإذ بى أمام العملاق الراحل الشيخ عطية صقر، عليه سحائب الرحمة.. عفوا لا نحتاج لدعاة عطور ودواجن وملابس، نحتاج إلى دعاة قلوب يضعون هدفهم رسالتهم السامية، بعيدا فقط عن شغل «السبوبة».

الجريدة الرسمية