رئيس التحرير
عصام كامل

ليس دفاعا عن منى عراقي.. ولكن!


لا أتابع برامج "بي بي سي" البريطانية أو "سي إن إن" الأمريكية، و"دويتشه فيله" الألمانية، لعدم مصداقيتها في تناول الشأن المصري، ومثلها العديد من وسائل الإعلام المنحازة لجماعة "الإخوان" الإرهابية أو الممولة من دول المؤامرة ضد مصر.. لكن مع هذا، ينبغي الاعتراف بأن قناة "بي بي سي عربي" نجحت من حيث لا تدري في الظفر بالسبق، واستقطبت الكثير من المشاهدين، رغم أكاذيبها وافتراءاتها على مصر التي لا تخطئها عين.


استضافت "بي بي سي عربي" في برنامج "بتوقيت مصر" الإعلامية منى عراقي، في خطوة شجاعة، وربما ظنت إدارة القناة أن الإعلامية المصرية ستهاجم بلدها، انتقامًا ورد فعل لإيقاف برنامجها وإحالتها إلى التحقيق، لكن منى عراقي كانت كما عهدها المشاهد دائما، قمة في الصراحة والشفافية، ولم تبد تذمرًا أو رفضًا للإجراءات المتخذة ضدها، بل على العكس، أقرت بأنها "ربما تكون أخطأت في أسلوب عرض الفكرة واستخدام بعض المفردات، لكنها غير نادمة على محتوى ومضمون الحلقة".

بذكاء شديد تمكنت "عراقي" من كسب تعاطف واحترام المشاهد، فألتمس لها العذر لاندفاعها بحلقة الاغتصاب في برنامج "انتباه"، حيث كشفت بجرأة تحسد عليها عن معاناتها منذ "تعرضت للاغتصاب في عمر 10 سنوات، وأن ألم الاغتصاب لا يشعر به سوى من مرّ بهذه التجربة".

منى قالت أيضًا في "بتوقيت مصر" إنها لم تعد تتحمل الكتمان أكثر من ذلك، وإن العديد من نجمات العالم عانين من الاغتصاب في الطفولة، واعترفن بتجربتهن المؤلمة تفصيلا في الحملة العالمية "me too"، وإنها كانت واحدة من المدونات وسردت تجربتها الأليمة، أسوة بما فعلته أوبرا وينفري، جين فوندا، ليدي غاغا، وغيرهن.

ما أن انتهى عرض الحلقة وانتشر رابط اعترافات منى عراقي، حتى سارعت لمشاهدته، وشعرت بغبطة للسبق الذي ظفرت به القناة البريطانية، وزاد احترامي لمقدمة البرامج المصرية لشجاعتها وقدرتها على الاعتراف بالخطأ والمعاناة، وفي الوقت نفسه عدم الإساءة إلى بلدها، وهي الفرصة التي كانت تتحينها القناة البريطانية المنحازة ضد مصر.

تذكرت كم الحلقات التي ناقشت فيها منى عراقي قضايا حقيقية يعاني منها المواطن البسيط، والجهد الكبير الذي تبذله في جمع المادة ومحتوى الحلقات، لتغطية القضية المثارة من جميع جوانبها، كما كشفت المستور عن كثير من الأمور الشائكة وتعرضت بسببها للأذى، ومع هذا لم تبال وأصرت على المضي قدمًا في مهنة المتاعب، لتحظى في النهاية بتقدير واحترام المشاهد، فهل يعقل بعد الإعلام الاستقصائي الحقيقي الذي تتبناه في برامجها، أن يكون جزاؤها الإيقاف والإحالة إلى التحقيق؟!

كان بمقدور عراقي اختيار الطريق السهل والمريح مثل مئات غيرها من مقدمي البرامج، بحيث تكتفي بالتقديم من الستديو وتستضيف فنانين ورياضيين وغيرهم، لمناقشة أمور تافهة وقشور القضايا، وجمهور الستديو يهتف ويصفق ويضحك، وانتهى الأمر.. لكنها اختارت الطريق الصعب وبذل الجهد الكبير إرضاءً لضميرها وتحقيقًا لجوهر مهنتها، ومع هذا أحيلت للتحقيق وتوقف برنامجها، رغم أن ما أدلت به من مفردات جنسية لا يختلف عما تتضمنه برامج الترفيه من حوارات مبتذلة وإيحاءات مخجلة، ولم نسمع بإحالة أحد منهم للتحقيق بسبب التجاوزات الجنسية!!

والأمر نفسه ينطبق على ما تتضمنه برامج العلاقات الزوجية والاستشارات الجنسية.. فأين عنها نقابة الإعلاميين ولماذا لم تتحرك إلا ضد منى عراقي؟! ثم أين دور نقابة الإعلاميين تجاه مقدمي البرامج الذين سخروا برامجهم لتفتيت مصر واستضافوا رموز المؤامرة، بل تصدرت أسماؤهم كشوف "العطايا القطرية" بمبالغ طائلة، ومع هذا مستمرون في الإطلالة على المشاهد، دون أن يحاسبهم أحد، أو تتحرك نقابة الإعلاميين ضد أحد منهم، أليس في هذا ازدواجية في المعايير!! 

الأمر ليس دفاعًا عن منى عراقي، لكنها إعلامية تحترم مهنتها وتبذل جهدًا خارقًا، لكشف ما خفي من قضايا مشينة، ومع الأخذ في الاعتبار ما عانته في طفولتها من اغتصاب وألم، يصبح التغاضي عن الخطأ ضرورة، لا أن تحاكم بتهم ارتكاب فعل فاضح وتشويه صورة الرجل المصري!!
الجريدة الرسمية