رئيس التحرير
عصام كامل

رحلة يوسف.. رسالة إلى «الأب الذي لا يجب أن يسقط»


"يجب أن تظل مبتسما أمام زوجتك، إياك أن تضعف أمام والدتك، الأب لا يجب أن يسقط. في تلك الحظة حين تجد أصابعك تذهب إلى ورقة بيضاء على مكتبك، أو أزرار الكيبورد أمامك، ثم ترى نفسك تسترسل في الحكى، فقط مجرد الحكى، تشعر أن هناك عيونا أخرى تقرأ، قلوبا تنقبض، آهات تخرج تشاركك الألم، كاهلك تخف أثقاله، ربما في لحظة من العزلة تقتنصها بعد أن تجد أسرتك طريقها إلى النوم فتسقط دمعة أو اثنتان في غفلة منك، غير مسموح لك بأكثر من ذلك، فالدمع المنهمر قد لا يقف، تذكر أن الأب يجب ألا يسقط".


ما سبق لا يتعدى كونه فقرة عابرة كتبها الزميل والصديق الموهوب العزيز سامح فايز، في كتابه "رحلة يوسف"، من الممكن أن تمر مرور الكرام على أي قارئ، من الممكن أن تجد أيضا من يثنى على الجمل المرتبة الأنيقة الرشيقة التي أخرجها إلينا عزيزنا "سامح" في لحظة ما، لكن التوقف أمام تلك الكلمات قليلا، سيدفعك بالقطع إلى حافة الجنون.. أسئلة كثيرة ستجد طريقها إلى الرأس، أسئلة من نوعية "هل الأب لا يجب أن يسقط؟".. وأيضا "هل الدموع فاكهة محرمة على الآباء لا يستطيعون تناول جزء – ولو ضئيل- منها لإسكات وحش الحزن الكاسر؟...".

الإجابة عن الأسئلة تلك بالقطع ستكون مختلفة، مثل الاختلاف في التعاطي مع "رحلة يوسف" الذي كتبه "سامح" – مع حفظ الألقاب والمقامات- حيث انطلق من "وجعه الخاص" متمثلا في رحيل ابنه بعد حياة استمرت أربعة وخمسين يوما فقط، لم يرتفع صوته فيها ضحكا أو بكاء، فقط برقت عيناه مرتين، واستسلم لأيدي الممرضات ومشارط الأطباء، الذين حاولوا – قد المتاح- أن يمنحوا "يوسف" مزيدا من الأيام.. لا أكثر ولا أقل.

من وجعه الخاص – كما قلنا- انطلق "سامح" إلى الوجع العام، قرر مواجهة الموت، مواجهة لا يريد أن يربحها بقدر ما يريد أن يكشف تفاصيلها لنا.

"كلنا في الهم سواء".. النتيجة الوحيدة التي من المتوقع أن تصل إليها حال وصولك إلى المحطة الأخيرة في "رحلة يوسف"، لكنها نتيجة موجعة، تفاصيلها مرعبة، وكارثية إن شئنا الدقة، فمن مستشفى "أبو الريش" في وسط القاهرة، إلى مستشفى الطوارئ بـ"دراو" التابعة لمحافظة أسوان، أي من أقصاها إلى أدناها، لا نصيب للفقراء من الصحة، لا حاجة للبلد للفقراء، لا جديد تحت شمس القهر، سوي مزيد من القهر و"الرضا بالقضاء والقدر".

"سامح" في رحلته، نجا من فخ "لعنة الحكومة والحكام"، لن تضبطه في سطر واحد – مجرد سطر- من أسطر الكتاب متلبسا بـــ"فعل مشين"، لم يذكر أحدا من الذين أوصلونا لهذه المرحلة من التردى والإهمال والعجز والفقر أيضا، لم ينصب مشانق الفقراء ليعلق عليها رؤوس الأغنياء والكبار الذين يديرون كل شيء، لم يقل "يا سيادة الرئيس"، ولم يرتفع صوته بـ"يا معالى الوزير"، لم يكتب شيئا عن السلطة، لأنه أدرك أننا خارج حسابات السلطة، طالما لا توجد لجان انتخابية أو مؤتمرات جماهيرية.

"سامح" راهن على من هم في مربعه، الذين يتقاسمون معه "لقمة القهر"، راهن على الغالبية التي تصطدم بـ"الروتين" وتطحنها أقدام الذين يعبرون بنا إلى "مسيرة التقدم"، راهن على الذين تذهب أصواتهم إلى "الصناديق" محملة بالأجمل الذي لم يأت بعد، وهم يدركون أنه لن يأتي..!

عزيزنا "سامح".. رغم رحلته الشاقة المرهقة، لكن مشرطه لم يصل إلى "عضم الأزمة"، لم يقابل هناك في الجنوب من يكملون عشاءهم أحلاما،قدره أنقذه من لقاء مئات، بل آلاف الحالات التي لا تمتلك أمامها سوى النظر إلى السماء، وطلب الرحمة.. حالات لن تكتب عنها يوما، فالأبجدية لا يمكن أن تصف أوجاعهم، من الممكن أن تطرق الأبواب فقط، لكنها لن تقوى على التجول في غرف الوجع "المُر"، أو تقف في أروقة الأيام الموحشة.

"رحل الغازى بالفعل، وظل الصعيد مقبرة لكل سكانه".. نتيجة أخرى ألقى بها "سامح" في وجوهنا، أيام قليلة جعلته يدرك قسوة الحياة هناك، فما بال الذين يولدون ويعيشون ويمرضون ويتعبون ويموتون هناك.. ما بال المئات الذين وضعتهم الصدفة أمام عيني "سامح" وهو يبحث عن تذكرة دخول أمام مستشفى "أبو الريش".. ما بال الآلاف الذين لم تلعب الصدفة لعبتها وتجعلهم يحملون همومهم وأمراض لأطباء العاصمة، واكتفوا بــــ"تلاوة مباركة" يتلوها شخص ما على الرأس، ودعاء بالستر والصحة و"حُسن الخاتمة".

وأخيرا..
رحلة يوسف.. سنكون وصلنا لأقصى درجات الغباء الإنسانى إن تعاملنا معها كونها كتابا يوضع "ع الرف" نضيفه لقائمة "كتبنا المفضلة".. وسنكون تجاوزنا كل مراحل "العبث"، إذا اكتفينا بالكتابة عنه، ومدح صاحبه، ومنحه "طبطبة" على الكتف أو القلب، ومواساة لرحيل "يوسف" ابنه.. رحلة يوسف رسالة إلى الله.. الذي وجده "سامح" في طرقات قرية "بركة" التابعة لمحافظة الفيوم.. وبين حبات رمال قرية "الصوامعة" بسوهاج، وعلى وجوه أهالي قرية "الشبيكة" هناك بعيدا جدا.
بعد النهاية:
صديقي سامح.. يوسف ذهب إلى ربه.. وهو كفيل به، و" إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ".

الجريدة الرسمية