بالصور.. «فيتو» في زيارة لمنزل الفنانة الشعبية جمالات شيحة.. أوصاها صديقها بعدم اعتزال الفن.. زكريا الحجاوي عرض الزواج عليها فرفضت.. رسالتها لـ«الثقافة»: «أخيرا افتكروني»
«راسيني ياساقية عذاب.. فين اللي راح فين اللي غاب.. قوليلي راحوا فين وأشكي الفراق لمين» تلك الأغنية التي شقت القلوب عندما طرحها الموسيقار الكبير فتحي سلامة في ألبومه "شرقيات" للمطربة الشعبية الكبيرة جمالات شيحة، تلك المرأة التي خط الزمان على وجهها تقلباته وصعابه، إلا أن ضحكتها مازالت تملأ حياتها وحياة جمهورها الذي يعشق الاستماع إلى صوتها، ومشاهدتها على المسرح رغم تقدمها الكبير في السن.
وفي زيارة أجرتها «فيتو» مساء أمس، إلى منزل الفنانة، في شارع بسيط من شوارع إمبابة، حيث الحي الشعبي الملئ بالصخب والحب، فضيق الشوارع هنا ينم عن دفء يسري في الجسد ما إن تطأ قدماك المنطقة، فوجوه القاطنين بشوشة تكسوها الحياة، يرحبون بمن أتاهم رغم ضعف قوتهم الذي قد لا يسمح باستقبال أحد، حيث يحترف البسطاء قسمة البسيط إلى ماهو أكثر بساطة، حتى يسع أكبر قدر من الأحباب.
هناك حيث يعرفها الجميع، ما إن تسأل على منزلها حتى يجيبوك، وكأنها علم من أعلام المنطقة، يعرفها الكبير قبل الصغير، وما إن تصعد إلى المنزل حتى يتخلل قلبك راحة وسكينة ما، هو أبسط بيت يمكنك أن تراه على الإطلاق، لايوجد فيه أي مظهر من مظاهر الثراء والبذخ التي تزخر بها بيوت الفنانين، فهي لم تستطع ترك المنطقة ونسيان أهلها، وتبديل جلدها بآخر.
تستقبلك جمالات على باب منزلها ببشاشة غير معتادة، فهي تفرح بمن أتاها حتى ولو كان لقاؤه الأول على الإطلاق، تجلس أمامها فتبدأ بسرد حكاياتها دون أن تسألها في شئ، هي تجيبك عما تراه في عينك من أسئلة، تقول: "من وأنا عندي 12 سنة وأنا بغني، ورغم اني مش قادرة أمشي كتير دلوقتي وتعبانة، إلا إني بروح بين كل فترة والتانية بعمل حفلة.. أصل أنا بحب جمهوري أوي، بحب تصقيفهم ليا، وعنيهم وهي بتضحك لوحدها، بحس ساعتها إني نسيت كل المرض والتعب، وأفضل أغني وأغني ومزهقش أبدًا".
تنظر إلى الأسفل كل فترة والأخرى، وكأنها تحاول الإمعان في شق دروب قلبها، وتضيف: "تعرفي إني كان المفروض أعتزل من زمان، أنا عندي 77 سنة، كان لازم أعتزل، بس كان ليا صديق زمان جدًا، وصاني قبل ما يموت وقالي أوعي تسيبي الغنا والفن، وإني أفضل أغني لآخر نفس فيا.. وأديني ماشية ع الوصية".
لا يمكنك أن ترى في حياتك شخص تلمع عيناه عندما يذكر الغناء أمامه مثلها، كأنها تملك حالة استثنائية من العشق، تضفرت في قلبها حتى صنعت منه جدائل غرام لا تستطيع في حرمها إلا الاستمتاع فقط بغنائها، وذلك الصوت الشجي الذي تدمع له العين من فرط إحساسه وشذاه.
تتابع جمالات وتقول: "ياه فين أيام زمان، ماعدش في الدنيا حاجة حلوة زي الأول، ولا في طيبة في الناس، حتى أنا منظري اتغير والمرض أكلني" ثم تضحك وتقول: "عادي أهم حاجة انى روحي حلوة زي ماهيه، تعرفي إن أستاذ زكريا الحجاوي كان نفسه يتجوزني، واتقدملي فعلا بس أنا مرضتش، بعد ماجوزي مات استحرمت إني اسيب عيالي أو أهملهم، وعشان كمان مااجرحهمش، فقولته أنا ماليش أخ وخليك إنتا أخويا".
تدندن قليلًا ثم تصمت وتقول: "أنا كنت لهلوبة، بحفظ كل الأغاني بتاعت الستات في الشوارع، وأغنيهم، وأحفظ أغاني أم كلثوم وعبدالحليم، أي أغنية بحفظها في يوم بس، مع إني مش بعرف أكتب اسمي حتى، بس عندي ذاكرة بالحي كله"، وتضيف "لو أولادي كان ليهم في الفن كانوا المفروض عملوا مكتبة تجمع كل الأغاني اللي حفظاها، بس أنا أولادي غلابة، وحرام اشغلهم بيا".
غنت مقطع صغير من أغنية "لسه فاكر" لأم كلثوم، ولكنها كانت تهمس في غنائها وتقول لي: "مينفعش أعلي صوتي عشان جارنا ميت"، تشعر وأنت في حضرتها كأنك في حضن مصر بأكملها، مصر العتيقة التي يحبها العالم، ويأتون إليها من كل حدب وصوب، هي نموذج حي للطيبة المشتهاة، والحنين المؤجج بالأصالة.
وعلى الرغم من أعوامها الـ77، إلا أن جمالات تحتفظ بين ضلوعها بقلب طفل، يفرح بكل شئ حوله، حتى ولو كان تكريم بسيط من وزارة الثقافة، فقد تم تكريمها يوم 17 مايو الماضي في بيت السحيمي، وتعلق على الموضوع قائلة: "أخيرًا افتكروني".
