فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

عبقرية الترشيد لدى المصريين

لم يكن كلام الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة لبرنامج "حقائق وأسرار" مع الإعلامي مصطفى بكري، عبر فضائية "صدى البلد" بأن المعيشة بقت صعبة، وأن التضخم من أول سنة 2017، أكل جزءا كبيرا جدا من مدخرات وأجور الناس الحقيقية وقدرتهم على الشراء، لم يكن سوى إقرار لحقيقة اقتصادية ومعيشية بات يعرفها الجميع في مصر.

الدكتورة عالية قالت إن الـ 100 جنيه القدرة الخاصة بها على الشراء سنة 2010، أصبحت تساوي حاليا 10 جنيهات و70 قرشًا وحدث انخفاض في قيمة الجنيه بنسبة 87% وارتفاع في الأسعار بنسبة 670%. وأوضحت أن المتضرر الأكبر هو المواطن البسيط، لثبات دخله ولكون دخله المنخفض لا يستطيع مواكبة تكاليف الحياة المعيشية وتغطيتها مهما طرأت عليه من زيادات.

 

انتهى كلام الدكتورة عالية، ونتيجة لهذه الكلام الحقيقي فقد تغيرت الأنماط السلوكية الشرائية لغالبية المصريين إن لم يكن 90% منهم، وأصبح الترشيد فرض عين، فلجأوا لتقليص مشاويرهم وخروجاتهم إلا للضرورة واختزالها في مشوار واحد لتوفير النفقات، ولذلك لم يكن غريبًا على مصطفى مدبولي رئيس الوزراء أن يطالب المواطنين بالحد من التحركات غير الضرورية، قائلا: "اللى عنده مشوار غير ضروري يؤجله".
 
من كان يجري تحاليل وأشعات وفحوصًا دورية عند الطبيب، فوض أمر صحته إلى الله العلى الحفيظ وامتنع عنها رافعا شعار "الجهل بالأمراض أفضل من العلم بها"، من كان يتناول أدوية شهرية لأمراضه المزمنة صار يداوم عليها يومًا ويمتنع عنها يومًا لتخفيضها تكاليفها إلى النصف.

 

كثيرون ممن كانوا يتنقلون لزيارة أهلهم مرة في الأسبوع، جعلوها مرة في الشهر وربما تطول إلى ما هو أبعد من ذلك مالم يحدث أمرًا طارئا يستدعي الزيارة.

من كانوا يتزاورون مع أصدقائهم اكتشفوا أن الزيارات صارت عبئًا على الطرفين، الضيف والمضيف، فتكلفة العزومات صارت فوق طاقة العازم، وتكلفة المجاملة صارت فوق طاقة المعزوم، ولذلك فإن أحد إفرازات هذه المرحلة أن تقلصت العلاقات الاجتماعية والزيارات وأصبح الكثيرون يشعرون بالوحدة الموحشة والعزلة المؤلمة.  

 

الملايين ممن كانوا يذهبون للتسوق مرة أسبوعيًا صاروا يتسوقون نفس الكميات مرة كل أسبوعين وربما ثلاثة، من اعتادوا على عزومة أسرهم على الغداء أو العشاء أو فسحة أو خروجة مرة في الشهر، أقلعوا عن هذه العادة وصارت من الماضي.
 
 

الناس أسقطت المصايف من قاموسها بعدما ارتفعت أسعارها 10 أضعاف، لم يعد الكثيرون يشترون ملابس جديدة كما كانوا يفعلون في السابق بصفة دورية، ابتدعوا فكرة تحديث الملابس القديمة ذات القيمة العالية والخامة الجيدة والمنسية والمهملة بدلا من شراء الجديد، ولذلك أصبح هناك رواج لدى الترزية وتحديدًا ترزية إصلاح الملابس القديمة.. 

كلنا كان يهمل ملابسه ويركنها إذا ضاقت أو اتسعت عليه، وبالتالي جاء وقت إعادة اكتشاف كل ما هو ثمين ومركون من الملابس الشتوي والصيفي، وقس على الملابس كل المستلزمات والمقتنيات الأخري من ساعات وأحذية وبدل وجواكت وغيرها الكثير. 

بعدما كانت الأسماك حتى سنوات قليلة مضت هى وجبة البسطاء، أسقط الناس مسميات مثل السبيط والكاليماري الجمبري والدنيس والجمبري من قاموسهم بعدما صارت أسعارها في متناول الأثرياء ققط، واكتفوا بتناول سمكة واحدة بلطي في الوجبة التي كانت شعبية ولم تعد كذلك، ووصلت تكلفة السمكة المقلية أو المشوية منها إلى 70 و80 جنيهًا. 

 

كثيرون ممن كانوا يجلسون على المقهي يوميًا جعلوها أسبوعيًا، ومن كانوا يداومون على هذه العادة أسبوعيا جعلوها شهريًا، لأنهم إذا تبادلوا مع أصدقائهم دفع المشاريب سيحتاجون لأن يوجهوا كل راتبهم للمقهى. الملايين ممن كانوا يذهبون إلى عملهم بسيارتهم يوميًا صاروا يستقلون المواصلات العامة رغم تضاعف تسعيرتها، لأن مرتباتهم تكفي فقط للتفويل مرة واحدة شهريًا وليس مرة كل 3 أيام.

من كان يأكل 3 وجبات صار يأكل وجبتين، بل وصل الأمر بالبعض إلى تناول وجبة واحدة رئيسية، ومن كان يتناول في الوجبة ربع فرخة، صار يأكل نصف الربع، وكذلك من كان يتناول قطعة لحوم 50 جرامًا صار يتناول 25، الأغلبية منعت الأكل الجاهز أو الديلفري ولجأت لتجهيز كل مأكولاتها في البيت توفيرًا للنفقات.

التكييفات تحولت عند الغالبية الكاسحة ممن يقتنيها إلى قطع ديكور خلال الصيف المنتهي بعد اقتراب سعر كيلو الكهرباء من 3 جنيهات واستبدالها بالمراوح.