قدر الشقيقة الكبرى
تتمثل دوما مشكلة الشقيق الأكبر في زيادة الأعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتقه مقارنة ببقية إخوته، فالأخ الأكبر هو الذي عندما تميلك الدنيا تستند عليه وهو ما قال عنه الله: “سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ”، وغالبا ما يكون سقف توقعات الأهل من الابن الأكبر وأول فرحتهم كبيرًا، فينتظرون منه تحمل مسئولية الأشقاء الأصغر، فهم يعتقدون دائمًا أنه بإمكانهم الاعتماد على هذا الابن في كل شئون الأسرة، ونادرًا ما ينتبهون إلى أن هذا الأخ الكبير يمكن أن ترهقه هذه المسئولية الكبيرة التي يحملها.. ومصر لم تطلب ولكن الأشقاء نصبوها بالشقيقة الكبرى.
ويهرعون إليها في الملمات ومطلوب منها ألا تتبرم حتي عندما يغلبها الكبرياء الوطني، ولا تطلب المساندة ظنا منها أن الأشقاء يشعرون بأوجاع الكبير، واللبيب بالإشارة يفهم، بل وفي هذه الحالة بدون إشارة وحتي العتاب مرفوض، عندما كانت مليارات العرب تذهب لترامب بينما الحال العربي غني عن البيان..
وحتي عندما جاء الأمير محمد بن سلمان لمصر كان هناك مسئولون أمريكيون يجلسون مع الحوثيين في مسقط، في نفس الوقت الذي كانت تتصاعد فيه هجمات الجماعة ضد المنشآت السعودية، وتتجاوز التهديدات حدود التصعيد التقليدي لتصل إلى إستهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة. تصعيد تتسع رقعته وكانت الصدمة في استهانة ترامب معلنا إنه والحوثيين متفقين!
فيما يبدو الضغط علي السعودية للرضوخ للتطبيع الإبراهيمي، والأخطر أن المنطقة قد تكون أمام لعبة أكبر من مجرد مواجهة مع الحوثيين، والثمن قد يكون أكبر من قدرة الجميع على احتوائه. فهل العودة إلى مصر الآن في وقت الشدة.. هي عودة دائمة إلى حضن الأخ الأكبر التاريخي؟
وهل على مصر أن تقوم بدورها الأزلي وتتسلم ما تنازلت عنه بسبب أزمتها الاقتصادية؟ وما الذي يجب أن يفهمه الأشقاء بعد أن تخلى عنهم ترامب الذي كانوا يعتبرونه الملجأ والسند؟! فإذا عادت مصر لدور الأخ الأكبر، فيجب أن تكون عودة على حناح السلم لآن الدم المصري خط أحمر لا يراق في حروب عبثية بالوكالة، ولا ضد شعب شقيق.
ولهذا فإنه من المتوقع إلا تحرك مصر جنديا واحدا إلا في إطار تحالف دولي إقليمي واضح ولحماية الملاحة وتأمين جزر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب فقط، ودون تدخل بري نتيجة دروس الماضي في حربنا السابقة في اليمن. ودرس حرب تحرير الكويت، وأيضا درس الرفض المصري للمشاركة في قوات حفظ سلام في العراق بعد الغزو الأمريكي..
غير أن القاهرة تستطيع لعب دور وسيط مقبول من كل الأطراف لخلق وبناء بيئة اقليمية متصالحة مع نفسها، وهذا هو الانسب، وهو ما يعني رفع الحصار عن اليمن لأنه الأقل تكلفة ويؤسس لمصالحة خليجية أوسع، ويمثل نموذجا لتقاليد تسوية الصراعات العربية، بينما ثمن النصر على اليمن -إنْ تحقق- سيكون ثقيلا على البنى التحتية السعودية وعلى علاقات الشعوب ببعضها.. وهو ما تسنده الخبرة التاريخية اليمنية ذاتها.
غير أن هناك إشكالية أساسية عند طرح موضوع الدور الإقليمى المصري، وهو أن البعض يتصور إعادة استنساخ تجارب تاريخية سابقة، وتحديدا تجربة محمد على وعبد الناصر وهما أبرز نماذج الدور المصري الخارجي في العصر الحديث، مع ترسيخ اليقين بأن استنساخ هذه التجارب غير وارد وغير ممكن..
فتجربة محمد على أدت إلى تأليب أوروبا عليه ومحاصرة الإمبراطورية المصرية سياسيا حتى تمكن خصومه من تحجيم دوره وتقليص الدولة المصرية في حدودها التاريخية بـ اتفاقية لندن عام 1840، وقد تعرضت مصر الناصرية لشيء من ذلك أيضا، إذ إن الغرب رأى في سياستها القومية توسعا وانتشارا في المنطقة للوجود المصرى فكانت ضربة 1967 للإجهاز على المشروع القومي وتحجيم دور مصر مرة أخرى..
ولهذا فإن القاهرة تتفاعل إقليميا وفق إدراك إستراتيجي، مفاده أنه كلما زادت مصر من انخراطها خارج حدودها، ازدادت تعقيداتها مع القوى الإقليمية والعالمية التى لا تتقاسم وإياها الأولويات والمصالح. ولهذا ستظل مصر، لفترة مقبلة حريصة على الموازنة بين الحاجة إلى الكمون الإستراتيجي من أجل استكمال مهمة البناء في الداخل، وبين الحاجة أيضا إلى التدخل الانتقائى في بعض أزمات الإقليم، من أجل حماية مصالح الشعب المصرى ومقدراته.
خاصة وأن نقيض الكمون ليس فقط الاندفاع وإنما أيضا التحرك المحسوب والمرونة السياسية العالية، التى قد يكون من تطبيقها الآن ما تفعله مصر من زيادة ملحوظة فى تحركها الإفريقى مع تزايد تعقد أوضاع المشرق العربى، وتركز مصر في المقام الأول على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في منطقة حوض النيل، والبحر الأحمر، وشرق البحر الأبيض المتوسط، والصحراء الإفريقية.
أيضا، وفى إطار سعيها إلى إعادة تأكيد نفسها كقوة متوسطية، أصبحت مصر فاعلا رئيسيًا فى مجال النفط والغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث أعطت الاكتشافات الأخيرة الكبيرة القاهرة آمالا في العثور على المزيد من الهيدروكربون. وثمة أمثلة أخرى على إمكانية لعب مصر دورا إقليميا إذا تبنت سياسة التوافق بدلا من الانحياز لطرف خارجي دون آخر بحيث تحتفظ بعلاقات مع جميع الاطراف لتصبح وسيطا مقبولا من الجميع.