حين ينقلب السحر على الساحر
كيف يبقى الإنسان ممسكًا بعجلة قيادة الذكاء الاصطناعي؟
في الحادي عشر من سبتمبر 2026، خرج جريج جانسن، أحد كبار مسؤولي الاستثمار في مؤسسة «بريدجووتر» ومن أوائل الممولين لشركتي OpenAI وAnthropic، بتحذير بدا أقرب إلى جرس أنذار منه إلى رأي اقتصادي عابر"خطر أن يفلت الذكاء الاصطناعي من أيدينا ليس خيالًا محضًا". وشبّه اللحظة الراهنة بشهر فبراير 2020، حين كانت أخبار فيروس غامض تتناثر في العالم، بينما واصل أغلب الناس حياتهم كأن شيئًا لن يحدث. وبحسب منطقه، قد لا تتحرك الحكومات بجدية إلا بعد وقوع ضرر واضح، وعندها ربما يكون ثمن الانتظار باهظ (أرواح البشر).
لكن المشكلة ليست أن هناك آلة شريرة استيقظت فجأة وقررت الانتقام من البشر، كما في أفلام الخيال العلمي. لكن المشكلة أن الألة قد تنفذ ما طلبناه بطريقة لم نقصدها؛ مثل موظف شديد الجدية لا يفهم روح القانون، أو سائق يقود السيارة بمهارة شديدة لكنه لا يعرف الجهة المفروض التوجه اليها.
لماذا يخاف صُنّاع الآلة؟
زاد القلق أخيرا لأن التحذيرات لم تعد تأتي فقط من فلاسفة أو نقاد يقفون خارج الصناعة. وأنما من أهل البيت أنفسهم. فلقد استقال الباحث جاكوب كوكسون من Anthropic، بعد عمله في OpenAI وAnthropic، وقال إن الشركتين تتسابقان نحو نظم تستطيع تحسين نفسها بنفسها، بينما لا تزال وسائل السيطرة عليها غير كافية.
وأيّد إيفان هوبينجر، المسؤول عن أبحاث المواءمة في Anthropic، جوهر القلق، وقدّر احتمال وقوع كارثة وجودية خلال العقد المقبل بأكثر من 10%. والمواءمة هنا تعنى أن تفعل الآلة ما يريده الإنسان فعلًا، وليس تنفيذ لكلمات الأمر المعطى حرفيًا وأهمال المقصود من هذا الأمر.
وتتركز المخاوف مما يسمى التحسين الذاتي المتكرر: أي أن يساعد النظام في تصميم نسخة أقوى منه، ثم تساعد النسخة الأقوى في صنع نسخة أشد قوة، فتتسارع القفزات على نحو يصعب على البشر متابعته. وعلى الرغم من ضآلة هذا الأحتمال لكن لا يجب أن نتجاهله؛ فعندما يكون الضرر المحتمل شديدًا، يصبح الاحتياط عقلًا لا جبنا او هلعا.
بين التهوين والتهويل
وبينما يرى كثيرون أن الحديث عن انقراض البشر ينبع من أضرار واقعة بالفعل: معلومات كاذبة مقنعة، وانتهاك للخصوصية، وتحيز ضد فئات معينة، واحتيال إلكتروني، وضغط على بعض الوظائف. الأ أن الاحتمالات ضعيفة لوقوع مثل هذا الخطر الوجودى.
ومن ثم فالاختيار ليس بين أن نخاف من نهاية العالم أو نهتم بمشكلات اليوم. يمكن أن نفعل الأمرين معًا: نمنع التمييز والاحتيال وفقدان الوظائف الآن، ونضع في الوقت نفسه حواجز أمام نظم مستقبلية قد تحصل على صلاحيات فيها خطر جسيم وعظيم.
المطلوب إذن ليس كسر الآلة أوعبادتها، بل وضعها في مكانها الصحيح: أداة قوية في يد المجتمع. وهنا نقدم التجربة اليابانية الأخيرة كدرس عملي يستحق التأمل.
اليابان: الإنسان في المقدمة
اعتمدت الحكومة اليابانية في 14 يوليو 2026 الخطة الأساسية الثانية للذكاء الاصطناعي. ولم تطرح الخطة سؤالًا ساذجًا من نوع: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم نرفضه؟ بل اختارت طريقًا أصعب هو توسيع استخدامه مع إبقاء المسؤولية والقيادة للإنسان. وتسمي الخطة هذا المبدأ Human in the Lead، أي «الإنسان في موقع القيادة». الآلة تقترح وتحلل وتسرّع، لكن البشر يحددون الغاية، ويراجعون القرارات الحساسة، ويتحملون المسؤولية عنها.
وتدعو الخطة اليابانية إلى تحديد واضح لما يبقى من مسؤولية البشر، خصوصًا عندما تمس قرارات الذكاء الاصطناعي الحقوق أو تسبب الأضرار. كما تركز على تنمية الإبداع والتفكير النقدي والقدرة على الحكم والتواصل؛ وهي مهارات إنسانية لا ينبغي أن تضمر كلما ازدادت الآلات ذكاءً. وتربط الخطة بين الابتكار وإعادة تدريب العاملين، بدل أن تفترض أن سوق العمل سيصحح نفسه تلقائيًا.
وهنا تكمن قيمة الخطة اليابانية، لم تقل إن الإنسان أذكى من الآلة في كل حساب، بل قالت إن الإنسان يظل صاحب الحق في تحديد ما يستحق أن نحسبه أصلًا، وما القيم التي لا يجوز التضحية بها من أجل السرعة أو الربح.
من يراقب الشركات؟
الدعوة الحالية إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعى لا تخلو من مفارقة. فحين تطالب الشركات الكبرى بقواعد أكثر صرامة، قد تكون صادقة في خوفها، لكنها قد تستفيد أيضًا من قواعد مقيدة لا يستطيع المنافس الأصغر تحملها. وهذا هو الاستحواذ التنظيمي. أى أن تتحول القواعد التي يفترض أن تحمي المجتمع إلى سور يحمي الكبار من المنافسة.
لذلك لا يصح أن نترك للشركات وحدها حق تعريف الخطر، ثم تقييم نفسها، ثم إعلان نجاحها. وقد اقترح "داريو أمودي" رئيس Anthropic، منح حق التقييم المستقل لخبراء خارجيين لهم حق الوصول والاستخدام المباشر إلى النظم كي يفحصوا السلامة ويعلنوا النتائج ضمن ضوابط واضحة. كما دعا إلى معايير مشتركة وتنسيق دولي يضبط سباق النماذج الأقوى تقنيا وأخلاقيا بدل أن يكافئ من يغامر أكثر.
الحل المتوازن يقوم على أربعة أركان: جهة رقابية مستقلة، واختبارات سلامة قابلة للنشر، ومسؤولية قانونية عمّن تسبب في الضرر، وقواعد لا تخنق النماذج المفتوحة أو الشركات الصغيرة. فالتنظيم الجيد ليس فرامل توقف القطار؛ إنما هى القضبان التي يسير عليها لتمنعه من السقوط.
أين تقف المحروسة وسط هذه الأمواج المتدافعة؟
لن يكون واقعيًا أن تدخل مصر غدًا سباقًا مفتوحًا مع الشركات التي تنفق مليارات الدولارات على أكبر النماذج العامة والرقائق ومراكز الحوسبة. لكن هذا لا يعني أن تقف على الرصيف. فقيمة الذكاء الاصطناعي لا توجد كلها في بناء أكبر عقل إلكتروني، بل توجد أيضًا في البيانات المحلية، وفهم اللغة والمجتمع، وتحويل النماذج العامة إلى حلول موثوقة لمشكلات محددة.
وتوفر الاستراتيجية المصرية للذكاء الاصطناعي 2025–2030 نقطة بداية مناسبة؛ فهي تقوم على الحوكمة والتكنولوجيا والبيانات والبنية الأساسية وبيئة الأعمال والمهارات، وتدعو إلى تطوير نموذج وطني أساسي، وإتاحة بيانات عربية جيدة، وتطبيقات في الصحة والزراعة والتعليم والخدمات العامة.
ولكن الاستراتيجية بدون خطوات عملية لبناء خارطة طريق زمنية تتوفر لها الموارد لتحقيق الأهداف المرجوة تظل حبرا على ورق وهو ما سأتعرض له في الأسبوع القادم.
* أستاذ الإقتصاد الفخرى بجامعة ولاية أوهايو وجامعة النيل.