شرف الولد زي عود البخور
هناك جملة شعبية قديمة تقول: شرف البنت زي عود الكبريت.. تقال الجملة غالبا باعتبارها تحذيرا، لكنها في الحقيقة تكشف شيئا أعمق من مجرد الخوف على سمعة فتاة أو أسرة. تكشف عن الطريقة التي اعتاد بها المجتمع أن ينظر إلى مفهوم الشرف نفسه، وكأن الشرف يسكن جسد المرأة أكثر مما يسكن سلوك الإنسان، وكأن شرف الرجل كما عود البخور، يشتعل وينطفئ مرات ومرات، وفي كل مرة لا يصدر عنه إلا رائحة طيبة!
الرجل يمكن أن يكذب ويخون ويغش ويظلم ويعتدي على حقوق الآخرين، ثم يظل في نظر البعض رجلا شريفا.. فلة شمعة منورة.. بينما يمكن لامرأة أن تختزل حياتها كلها في خطأ واحد، أو حتى في شائعة، فتسحب منها صفة الشرف دفعة واحدة.
المشكلة هنا ليست في الحرص على الأخلاق والعفة، فهذه قيم تخص الإنسان أيا كان جنسه، وإنما المشكلة في اختزال الأخلاق كلها في عفة الأنثى. لماذا يصبح شرف المرأة قضية عامة، بينما يصبح شرف الرجل شأنا خاصا؟ ولماذا تربى أجيال كاملة على أن أهم ما يجب أن تحافظ عليه الفتاة هو جسدها وسمعة عائلتها، بينما لا يسمع الصبي بالقدر نفسه أن عليه أن يكون أمينا في عمله، صادقا في كلامه، وفيا بوعده، لا يخون زوجته، ولا يسرق مالا، ولا يأكل حق أحد، ولا يشهد زورا، ولا يستغل ضعيفا، ولا يهين امرأة، ولا يخدع صديقا، ولا يتاجر بمبادئه عندما تتغير الأسعار والمصالح؟
إذا كان كل هذا لا يدخل في مفهوم الشرف، فما الذي يدخل فيه إذن؟ الشرف أوسع بكثير من جسد امرأة. الشرف أن تقول الحقيقة حين يكون الكذب أسهل، وأن تعيد المال الذي وجدته في طريقك حتى لو لم يعرف أحد أنك أخذته، وأن ترفض الرشوة لا لأن هناك كاميرا تراقبك وإنما لأنك تعرف أن يدك ليست للبيع. الشرف أن تكون أمينا عندما تغيب الرقابة، وأن تحفظ سرا ائتمنك عليه شخص، وألا تحول ضعفه إلى مادة للتشهير أو الابتزاز، وأن تفي بوعدك حتى عندما يصبح الوفاء به مكلفا.
الشرف أيضا أن تكون وفيا لمن أحبك، وألا تعتبر الخيانة حقا مكتسبا لمجرد أنك رجل. أن تعترف بخطئك بدل أن تبحث عن شخص آخر تعلق عليه أخطاءك. أن تحترم العامل الذي يخدمك، والفقير الذي لا يستطيع رد الإساءة إليك، والموظف الذي لا يملك سلطة عليك، والمرأة التي لا تحتاج إلى أن تكون ابنتك أو أختك حتى تستحق الاحترام.
هذا هو الشرف في معناه الإنساني، وليس من المنطقي أن نطالب المرأة بالعفة ثم نسمح للرجل بالخيانة، ثم نضع فوق الخيانة ألف مبرر.. هو رجل، الشباب له أحكامه، كل الرجال يفعلون ذلك، المهم ألا يعرف أحد.
أي منطق هذا؟ إذا كانت الخيانة عارا، فهي عار على الخائن والخائنة معا. وإذا كان الصدق شرفا، فهو شرف للرجل والمرأة معا. وإذا كانت الأمانة فضيلة، فلا توجد أمانة ذكورية وأمانة أنثوية. وإذا كان الكذب نقصا في الإنسان، فلا يصبح أقل سوءا عندما يرتكبه رجل.
المفارقة أن بعض المجتمعات تتعامل مع شرف الرجل باعتباره مجموع أفعاله، بينما تتعامل مع شرف المرأة باعتباره مرتبطا بجسدها. الرجل يمكن أن يفقد شرفه بسبب جريمة أو خيانة أو سرقة أو فساد، أما المرأة فقد تتهم في شرفها بسبب علاقة عاطفية، أو صورة، أو رسالة، أو شائعة لا دليل عليها.
بل إن بعض النساء أنفسهن ورثن هذه الفكرة، فأصبحن يراقبن بعضهن بعضا، ويقسن الأخلاق بطول الملابس ونبرة الصوت وطريقة الحديث، بينما قد تمر أمامهن سلوكيات أكثر خطورة لأنها صادرة عن رجل.
وهنا يصبح السؤال ضروريا، ماذا نربي أبناءنا عليه؟ هل نريد ولدا يخاف على شرف أخته، أم ولدا يعرف معنى الشرف في نفسه أولا؟ هناك فرق كبير بين الاثنين. الأول قد يكبر وهو يعتقد أن مهمته أن يراقب أخته ويتدخل في حياتها ويحاسبها على تصرفاتها، بينما يرى لنفسه مساحة واسعة من الحرية. أما الثاني فيتعلم أن الشرف ليس سلطة على الآخرين، وإنما مسؤولية عن نفسه.
الشاب الشريف ليس فقط من يحافظ على أخته أو أمه أو زوجته، بل من يحافظ على كرامة كل امرأة يتعامل معها. ليس من الشرف أن يطالب الرجل فتاة بالاحترام وهو يخدع فتاة أخرى، وليس من الشرف أن يغضب لأن رجلا اقترب من أخته، بينما يقضي وقته في مطاردة بنات الآخرين. وليس من الشرف أن يهدد رجل شابا لأنه تحدث مع شقيقته، ثم يبرر لنفسه كل ما يفعله مع شقيقات غيره.
الشرف لا يتجزأ بحسب القرابة، ولا يمكن أن تكون المرأة التي أعرفها جديرة بالاحترام، بينما المرأة التي لا أعرفها مباحة الإهانة. إما أن يكون الاحترام مبدأ، أو لا يكون، وإما أن تكون الأخلاق قاعدة، أو تتحول إلى أدوات نستخدمها عندما تخدم مصالحنا.
ثم إن اختزال شرف المرأة في عفتها فقط يحمل ظلما آخر، لأنه يجعل قيمة الإنسان مرتبطة بجانب واحد من حياته، وكأن المرأة لا عقل لها ولا علم ولا عمل ولا موقف ولا إنجاز ولا شخصية ولا ضمير. امرأة قد تكون طبيبة تنقذ حياة الناس، أو معلمة تربي أجيالا، أو أما تحمل بيتا كاملا فوق كتفيها، أو موظفة تقاوم الفساد، أو ابنة ترعى والديها، أو إنسانة تمد يدها لمن يحتاج إليها، ثم يأتي شخص ليختصر كل ذلك في سؤال واحد عن حياتها الخاصة. أي اختزال أكثر قسوة من هذا؟
والأمر نفسه ينطبق على الرجل. فالرجل ليس شريفا لمجرد أنه لم يرتكب فعلا متعلقا بالعفة. قد يكون الرجل خائنا للأمانة، سارقا لحقوق الناس، كاذبا في شهادته، غادرا بأصدقائه، ظالما لزوجته، مستغلا لمن يعملون عنده، مرتشيا في وظيفته، ثم يصر على أنه رجل محترم لأن بيته، في نظره، يخلو من الفضائح.
لكن ماذا عن المال الذي أخذه بغير حق؟ ماذا عن الإنسان الذي ظلمه؟ ماذا عن الوعد الذي كسره؟ ماذا عن المرأة التي خانها؟ ماذا عن الكذبة التي أفسدت حياة شخص آخر؟ أين ذهب الشرف في كل ذلك؟
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف الكلمة نفسها. الشرف ليس شيئا نعلقه على النساء وننزعه عنهن، وليس لقبا اجتماعيا تمنحه العائلة أو الجيران. الشرف سلوك يومي، أن تكون الإنسان نفسه عندما يراك الناس وعندما تغلق الباب خلفك، وأن ترفض أن تفعل ما تخجل من الاعتراف به إذا سئلت عنه، وأن تعرف أن هناك أشياء لا تفعلها ليس لأن القانون يعاقب عليها، وإنما لأن ضميرك لا يسمح لك بها.
أن تكون أمينا في البيع والشراء، صادقا في العمل، وفيا في الحب، عادلا مع أبنائك، رحيما بالضعيف، محترما للمرأة والرجل، حافظا للسر، بعيدا عن النميمة، رافضا للابتزاز، ومبتعدا عن استغلال السلطة، وألا تجعل قوتك مبررا لإذلال شخص أضعف منك. كل هذه أشياء لها علاقة بالشرف أكثر مما نتخيل.
أما العفة، فهي قيمة أخلاقية مهمة، لكنها ليست جنسا خاصا بالنساء. الرجل والمرأة كلاهما مسؤول عن اختياراته وعلاقاته وجسده ووعوده تجاه الآخرين. لا يمكن أن نبني مجتمعا يطلب من المرأة أن تكون ملاكا، ثم يمنح الرجل رخصة مفتوحة للأخطاء نفسها. ولا يمكن أن نربي الولد على أن رجولته تعني السيطرة على أخته، بدل أن نعلمه أن رجولته الحقيقية تظهر في قدرته على ضبط نفسه، وتحمل مسؤولية أفعاله، واحترام حدود الآخرين.
الشرف الذي يحتاج إلى مراقبة الناس ليس شرفا كاملا، والأخلاق التي تظهر فقط أمام الناس ليست أخلاقا راسخة. والرجل الذي يخاف على سمعة عائلته أكثر مما يخاف من أن يكون ظالما، لم يفهم معنى الشرف بعد. والمرأة التي تقاس قيمتها كلها بما يقال عن جسدها، حرمت من حقها في أن ترى كإنسان كامل.
لذلك، ربما نحتاج إلى أن نترك الجملة القديمة في مكانها، لا باعتبارها حقيقة نهائية، وإنما باعتبارها سؤالا يستحق المراجعة. شرف الولد ليس عود كبريت، وشرف البنت ليس عود كبريت. الشرف ليس قابلا للاشتعال عند جنس دون الآخر.
الشرف هو أن تكون إنسانا يمكن الوثوق به، أن تقول الحقيقة، وألا تخون، وألا تسرق، وألا تظلم، وألا تستغل، وألا تؤذي من ائتمنك، وأن تحفظ كرامة الآخرين كما تريد منهم أن يحفظوا كرامتك. وأن تعرف، قبل أن تسأل عن شرف ابنتك أو أختك أو زوجتك، أن تسأل نفسك سؤالا أبسط وأصعب: هل أنا نفسي أعيش بما يكفي من الشرف الذي أطالب به الآخرين؟