فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من إنشاء الجدران إلى بناء الإنسان، كيف يرى البابا تواضروس الكنيسة في المدن الجديدة؟

البابا تواضروس
البابا تواضروس

في المدن القديمة، غالبا ما تأتي الكنيسة بعد أن تستقر الحياة، ويكبر عدد السكان، وتتسع الشوارع، وتتشكل ملامح المجتمع. أما المدن الجديدة فلها حكاية مختلفة، فهي تبدأ من مساحة مفتوحة، ثم تتوالى فوقها الطرق والمساكن والخدمات، قبل أن تبدأ ملامح المجتمع في الظهور.

ومن هنا يمكن قراءة رؤية البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية لإنشاء الكنائس في المدن الجديدة، باعتبارها جزءا من تأسيس المجتمع وليس مجرد إضافة مبنى ديني إلى خريطة عمرانية.

هذه الرؤية ظهرت بوضوح في كلمته خلال زيارته لإيبارشية ببا والفشن وسمسطا،  حين وضع حجر أساس كاتدرائية الآباء البطاركة بمدينة الفشن الجديدة. ورغم أن المناسبة ارتبطت بالكاتدرائية الجديدة، فإن الرسالة التي حملتها كلمة البابا تجاوزت حدود المبنى نفسه، لتطرح تصورا أوسع عن وظيفة الكنيسة ودورها في المدينة والمجتمع.

الكنيسة ليست جدرانا فقط

البابا تواضروس قال بوضوح إن الكنيسة لا تنشأ لتكون مجرد مكان للعبادة، وإنما لتسهم في إنشاء المواطن الصالح الذي يعمل ويفهم معنى الوطن والمواطنة.

وهنا تظهر نقطة أساسية في رؤيته، وهي الفصل بين «المبنى» و«المؤسسة». فالمبنى هو الشكل المادي، أما الكنيسة في مفهومه فهي مؤسسة روحية واجتماعية وتربوية، تمتد وظيفتها إلى ما هو أبعد من إقامة الصلوات والقداسات.

وفي هذا التصور، تصبح الكنيسة جزءا من عملية بناء الإنسان، مثلما تمثل المدرسة جزءا من التعليم، والأسرة نقطة البداية في التربية، والإعلام والثقافة أدوات في تشكيل الوعي.

ولذلك عدد البابا المؤسسات التي تتشارك في صناعة المواطن الصالح، بدءا من الأسرة، ثم المدرسة، والمؤسسة الدينية، والبيئة الاجتماعية، وصولا إلى الإعلام والثقافة.

لماذا يبدأ التعمير بالكنيسة؟

الأهم في حديث البابا أنه ربط وجود الكنيسة بطبيعة المدن الجديدة نفسها، فهو استعاد تجربة العاصمة الإدارية الجديدة، التي أشار إلى أن إنشاء المسجد والكنيسة فيها جاء في بداية عملية بناء المدينة، معتبرا أن وجود المؤسستين الدينيتين يمثل «بداية روحية» للمجتمع الجديد.

ثم أسقط الفكرة على الفشن الجديدة، قائلا إن النهج نفسه يظهر هناك، حيث يبدأ التعمير بوجود الكنيسة.

وهنا تبدو الكنيسة، في رؤية البابا، جزءا من البنية الأساسية للمجتمع بالمعنى الأوسع، وليست مجرد منشأة تضاف بعد اكتمال المدينة.

فالمدينة الجديدة لا تحتاج فقط إلى شقق وطرق ومدارس وخدمات، وإنما تحتاج أيضا إلى مؤسسات تصنع العلاقات والقيم والانتماء، وتمنح السكان مساحة لتكوين مجتمع له هوية وذاكرة وحياة مشتركة.

من المدينة إلى المواطنة

وهذا يقود إلى المعنى الأعمق في كلمة البابا تواضروس الثاني وهو العلاقة بين العمران والمواطنة.

فبناء المدينة، وفقا لهذا التصور، لا يكتمل بمجرد انتقال السكان إلى وحداتهم السكنية. هناك مرحلة أخرى أكثر تعقيدا، وهي تحويل مجموعة من السكان إلى مجتمع.

وهنا يأتي دور المؤسسات الدينية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، باعتبارها أدوات تساعد الإنسان على معرفة حقوقه وواجباته، وعلى بناء علاقاته مع الآخرين، وعلى فهم معنى المشاركة والانتماء.

ولهذا لم يتحدث البابا عن الكنيسة باعتبارها مكانا مغلقا على جماعة المؤمنين، بل ربط دورها بفكرة «المواطن الصالح» وبخدمة الوطن والعمل الصالح. وهذه الفكرة سبق أن أكدها في يونيو 2026، عندما قال إن الكنيسة مكان يتعلم فيه الإنسان الفضيلة ومحبة الآخر وخدمته، وبالتالي تسهم في خدمة الوطن وإعداد المواطن الصالح.

وحجر الأساس هنا يحمل معنى آخر

من هذه الزاوية، يصبح طقس وضع حجر الأساس نفسه أكثر من مجرد إجراء مرتبط ببداية البناء.

فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحتفظ بتقليد رمزي عند وضع حجر الأساس، يتضمن وضع صندوق داخل الأساس يحوي صليبا خشبيا، وبشارة معدنية، ونسخة من الكتاب المقدس والأجبية، إلى جانب طوابع تذكارية وعملة معدنية وصحيفة ومجلة كنسية توثق للحظة التي بدأ فيها إنشاء المبنى.

أي أن الحجر لا يوثق لبداية مبنى فقط، بل يوثق أيضا لمرحلة زمنية كاملة، بما تحمله من أشخاص وأحداث وذاكرة كنسية ومجتمعية.

وفي الفشن الجديدة، جاءت الكاتدرائية في مركز خدمات المرحلة الأولى من المدينة، على مساحة تبلغ 2295 مترا مربعا، لتكون أحد الملامح التي ستتشكل حولها الحياة في مجتمع عمراني لا يزال في بداياته.