35 شهيدا على طريقه.. البابا تواضروس يضمد جراح دير الأنبا صموئيل
في جبل القلمون، حيث تمتد حكاية الرهبنة القبطية عبر قرون، وحيث اختلطت ذاكرة النساك والقديسين في صحراء المنيا بذاكرة 35 شهيدا سقطوا على الطريق المؤدي إلى الدير، يترأس قداسة البابا تواضروس الثاني صلوات قداس تدشين كاتدرائية القديسة العذراء مريم والقديس الأنبا صموئيل المعترف، في زيارة تحمل أبعادا روحية وتاريخية وإنسانية خاصة.
ذاكرة الدير في تاريخ الرهبنة المصرية
الدير، الذي يقع بالقرب من النهاية الشمالية لوادي المويلح بجبل القلمون، يعد أحد الأديرة الأثرية المهمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ويضم كنائس ومغارات ومزارات ارتبطت بتاريخ الرهبنة المصرية.
وكان المكان يعرف قبل مجيء الأنبا صموئيل باسم «دير السيدة العذراء بجبل القلمون»، قبل أن يرتبط اسمه بالقديس الأنبا صموئيل المعترف.
وترجع شهرة الدير بصورة أساسية إلى القديس الأنبا صموئيل المعترف، أحد أبرز شخصيات الرهبنة القبطية، والذي ارتبطت سيرته بحياة النسك والاحتمال والثبات في الإيمان.
وتضم منطقة الدير مغارة وكنيسة للأنبا صموئيل، إلى جانب كنيسة الأنبا صموئيل بالحصن وكنيسة السيدة العذراء وكنيسة الأنبا ميصائيل السائح وكنيسة الشهداء وغيرها من المعالم الرهبانية.
ولم يكن الدير مجرد موطن للنسك، بل ارتبط أيضا بأسماء بارزة في تاريخ الكنيسة، من بينها البابا غبريال الخامس، البطريرك الثامن والثمانون، الذي كان من رهبانه، كما ارتبط تاريخه الحديث بالبابا كيرلس السادس.
لكن طريق الدير حمل خلال السنوات الأخيرة صفحة مؤلمة في ذاكرة الأقباط. ففي مايو 2017 استشهد 28 قبطيا أثناء توجههم إلى الدير، وأقيم لاحقا مزار خاص لرفاتهم، وتحيي الكنيسة ذكراهم باعتبارهم شهداء طريق دير الأنبا صموئيل.
وبعد نحو عام ونصف، في نوفمبر 2018، تعرض زوار عائدون من الدير لهجوم آخر أسفر عن استشهاد 7 أقباط وإصابة آخرين، وهو الحادث الذي التقى بعده البابا تواضروس أسر الشهداء والمصابين وقدم لهم تعازي الكنيسة ومساندتها.
وبذلك ارتبط اسم الطريق في الذاكرة القبطية باستشهاد 35 شخصا في حادثين منفصلين، بينما ظل الدير نفسه مكانا للصلاة والنسك والزيارة.
زيارة البابا تواضروس تفتح صفحة جديدة في تاريخ المكان
واليوم، تأتي زيارة البابا تواضروس لتفتح صفحة جديدة في تاريخ المكان. فقد وصل قداسته إلى الدير مساء أمس، في ثالث محطات جولته الحالية بالصعيد، واستقبله الأنبا باسيليوس، أسقف ورئيس الدير، ومجمع الرهبان. وهذه هي أول زيارة للبابا للدير منذ جلوسه على الكرسي المرقسي، بينما سبق أن زاره عام 1996.
وقال البابا تواضروس خلال زيارته إنه سعيد بزيارة دير الأنبا صموئيل، واصفا إياه بأنه دير «يحيا الرهبنة بصورتها الأصلية» وله تاريخ قديم وجميل، ومتمنيا أن يظل عامرا عبر الأجيال.
وتكتسب صلوات تدشين الكاتدرائية الجديدة معنى خاصا، فالمكان الذي حفظ ذاكرة الرهبان والنساك، واحتضن مزارات الشهداء، يستقبل اليوم صلاة تدشين جديدة بيد البابا تواضروس، لتلتقي في مشهد واحد حكاية الرهبنة القديمة، وذاكرة الشهادة، وحاضر الكنيسة ومستقبلها.
وفي عظته، اختار البابا عنوان «كما في السماء كذلك على الأرض»، متحدثا عن الكنيسة والكتاب المقدس والكهنوت والرهبنة والقداس والتسبيح والتوبة والمحبة باعتبارها طرقا يعيش من خلالها الإنسان صورة السماء على الأرض.
وهكذا لا تبدو زيارة البابا تواضروس إلى دير الأنبا صموئيل مجرد محطة في جولة رعوية، وإنما عودة إلى مكان يحمل في جدرانه ومغاراته ذاكرة قرون، وعلى طريقه أسماء 35 شهيدا، لتأتي صلاة التدشين اليوم كعلامة على أن ذاكرة الألم يمكن أن تجتمع مع الصلاة والرجاء في المكان نفسه.