في مواجهة النظام الدولي القائم
هل تتحول البريكس إلى قوة جيوسياسية؟
لم تعد مجموعة بريكس مجرد إطار للتنسيق بين عدد من الاقتصادات الناشئة، بل باتت واحدة من أبرز المؤشرات على التحولات التي يشهدها النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة. فالتوسع المتسارع في عضوية المجموعة، واتساع أجندتها من القضايا الاقتصادية إلى الملفات السياسية والأمنية، يعكسان محاولة متنامية لإعادة توزيع موازين القوة الدولية، وتقليص احتكار المؤسسات الغربية لصناعة القرار الاقتصادي والسياسي العالمي.
وتكتسب قمة بريكس، التى انعقدت في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر، أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب مستوى التمثيل السياسي فيها، وإنما لأنها تأتي في لحظة دولية تتسم بتزايد الاستقطاب، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واتساع المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، فضلًا عن تصاعد النزعة الحمائية في التجارة الدولية.
ومن ثم، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه القمة لا يتعلق فقط بما إذا كانت بريكس قادرة على توسيع نفوذها، وإنما بقدرتها على تحويل هذا النفوذ الاقتصادي والديموغرافي إلى قدرة جماعية على التأثير في قواعد النظام الدولي.
تأسست المجموعة بصيغتها الأولى من البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل أن تنضم جنوب أفريقيا إليها عام 2010، ليصبح اسمها بريكس. وكان تأسيس المجموعة في الأساس تعبيرًا عن صعود اقتصادات ناشئة اعتُبرت مرشحة للاضطلاع بدور أكبر في الاقتصاد العالمي.
لكن التحول الأهم جاء مع موجة التوسع الأخيرة. فقد انضمت مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة إلى عضوية المجموعة عام 2024، ثم انضمت إندونيسيا عام 2025، بالتوازي مع استحداث صيغة «الدول الشريكة». وبذلك لم تعد بريكس تجمعًا محدودًا لأربع أو خمس قوى صاعدة، وإنما أصبحت إطارًا أوسع يضم دولًا ذات ثقل اقتصادي وديموغرافي وطاقوي وجغرافي متفاوت.
وهذا التوسع يحمل دلالة سياسية تتجاوز مجرد زيادة عدد الأعضاء. فضم دول من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يمنح المجموعة انتشارًا جغرافيًا أوسع، ويتيح لها الاقتراب من قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة والتجارة والممرات البحرية والأسواق الناشئة والموارد الطبيعية. غير أن اتساع المجموعة يمثل في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر ضعف. فكلما زاد عدد الأعضاء، ارتفع الوزن الإجمالي للتكتل، لكن زادت أيضًا صعوبة التوصل إلى مواقف مشتركة بشأن القضايا الدولية الحساسة.
في المقابل، تواجه بريكس مفارقة هيكلية واضحة فالمجموعة تستمد جزءًا كبيرًا من قوتها من التنوع الكبير بين أعضائها، لكن هذا التنوع ذاته يحد من قدرتها على التحول إلى تحالف سياسي متماسك. فالصين والهند، على سبيل المثال، تتعاونان داخل بريكس، لكنهما تخوضان في الوقت نفسه منافسة استراتيجية واقتصادية وجيوسياسية ممتدة.
كما أن روسيا والصين تتقاربان في مواجهة الضغوط الغربية، بينما تحتفظ الهند بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب. وفي الشرق الأوسط، تبدو المصالح الإيرانية مختلفة بصورة واضحة عن مصالح الإمارات العربية المتحدة، في ظل اختلاف مواقفهما من عدد من الملفات الإقليمية.
ومن ثم، يصعب النظر إلى بريكس باعتبارها كتلة سياسية متجانسة بالمعنى التقليدي. والأدق أنها منصة لتقاطع المصالح بين دول تسعى بدرجات متفاوتة إلى تقليص اعتمادها على النظام الذي تهيمن عليه القوى الغربية. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص بريكس: فليس من الضروري أن تتفق الدول الأعضاء على جميع القضايا حتى تحقق المجموعة تأثيرًا دوليًا.
فقد يكون الحد الأدنى من التوافق كافيًا لتنسيق السياسات المالية والتجارية، وتوسيع استخدام العملات المحلية، وتطوير المؤسسات المالية البديلة، والدفع باتجاه إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية.
يتمثل البعد الأكثر أهمية في صعود بريكس في علاقتها بالنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي لعبت الولايات المتحدة وحلفاؤها الدور الأكبر في بناء مؤسساته وقواعده. ولا تعني أجندة بريكس بالضرورة السعي إلى إسقاط هذا النظام دفعة واحدة، بقدر ما تعكس رغبة في إعادة توزيع القوة داخله وإنشاء بدائل موازية عندما تكون الإصلاحات غير ممكنة.
ويظهر ذلك بوضوح في إنشاء بنك التنمية الجديد، الذي يستهدف تمويل مشروعات البنية الأساسية والتنمية المستدامة، وفي إنشاء ترتيبات مالية لمواجهة الأزمات، بما يوفر للدول الأعضاء قدرًا أكبر من الاستقلال عن مؤسسات التمويل الدولية التقليدية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الجنوب العالمي، التي طالما انتقدت شروط وآليات عمل مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، معتبرة أنها لا تعكس بصورة كافية التحولات التي طرأت على توزيع القوة الاقتصادية العالمية. وبذلك، فإن أحد أهم أهداف بريكس ليس بالضرورة إنشاء نظام عالمي منفصل بالكامل، وإنما إعادة التفاوض على قواعد النظام القائم من موقع قوة أكبر.
في هذه القمة تجلت أيضا مسألة تقليص الاعتماد على الدولار التي تعد أحد أكثر الملفات حساسية داخل بريكس، لكنها في الوقت نفسه يكشف حدود قدرة المجموعة على التحول من التنسيق إلى التكامل. فالدول الأعضاء تتجه بصورة متزايدة إلى استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، كما تبحث عن تطوير أنظمة دفع تقلل من الاعتماد على البنية المالية الغربية. غير أن الانتقال من هذه الإجراءات التدريجية إلى إنشاء عملة موحدة لبريكس يظل أكثر تعقيدًا.
فالعملة المشتركة تتطلب مستوى مرتفعًا من التنسيق النقدي والمالي، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الفوارق الكبيرة بين الاقتصادات الأعضاء، فضلًا عن التنافس بين الصين والهند واختلاف مصالح الدول بشأن مستقبل النظام النقدي الدولي. لذلك، تبدو ظاهرة إزالة الدولرة الجزئية أكثر واقعية من إنشاء عملة موحدة في المدى المنظور. وقد يكون توسيع التجارة بالعملات المحلية وتطوير آليات دفع بديلة أكثر قابلية للتطبيق من مشروع العملة المشتركة.
في مواجه ذلك ربما تدفع ضغوط التجارية الأمريكية بعض أعضاء المجموعة إلى تسريع جهود تنويع أدواتهم المالية، لكنها في المقابل قد تزيد تكلفة المواجهة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل المضي في هذا المسار عملية تدريجية لا قرارًا ثوريًا مفاجئًا.
ولهذا، فإن مستقبل بريكس سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرتها على تحقيق توازن بين المرونة التي ساعدت على نموها وبين الحد الأدنى من المؤسسية اللازمة لتحويل هذا النمو إلى نفوذ مستدام. وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للعضوية في المجموعة ستتحدد ليس بحجم البيانات التي تصدر عن بريكس، وإنما بمدى قدرة القاهرة على تحويل العضوية إلى مكاسب اقتصادية واستثمارية وسياسية ملموسة.