الأحزاب والنواب.. والحياة السياسية! (١-٢)
هل عندنا أحزاب حقيقية ونواب يمثلون الشعب؟!
أزمتنا ليست في كثرة الأحزاب أو عدد المقاعد، بل في سؤال أعمق: هل يشعر المواطن أن صوته يصنع فارقًا، وأن المؤسسات التي تتحدث باسمه تعمل لمصلحته؟ أم تحولت الديمقراطية إلى طقوس انتخابية تنتهي بإعلان النتائج، بينما تبقى مشكلات الناس خارج الحسابات؟
الديمقراطية ليست صندوقًا انتخابيًا فحسب، بل وسيلة سلمية لإدارة الاختلاف، يحتكم فيها المتنافسون إلى إرادة الناخبين بدل السلاح. لكن ماذا يبقى من معناها إذا استحوذ المال والنفوذ على المجال السياسي، وأصبحت الانتخابات طريقًا لاحتكار صوت الشعب بدل تمثيله؟
وهنا نستحضر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. فالمناصب العامة أمانة، والتمثيل الشعبي مسؤولية، لا امتيازًا لمن يملك المال أو النفوذ.
وفي هذا السياق، يطرح الدكتور عبدالرحمن نجاح مقارنة بين التجربة الصينية وتجربة التنظيم السياسي الواحد في مصر خلال الستينيات والسبعينيات. فالصين، رغم هيمنة الحزب الشيوعي، تضم أحزابًا أخرى تشارك استشاريًا، بينما ترتبط آليات تصعيد القيادات داخل الحزب بدرجات متفاوتة بالكفاءة والخبرة والإنجاز.
لكن هل الحزب الواحد هو الطريق الوحيد إلى التنمية؟ وهل يمكن فصل نجاح التجربة الصينية عن خصوصية تاريخها ومؤسساتها؟ وهل يكفي الإنجاز الاقتصادي للحكم على نظام سياسي إذا لم يكن المواطن شريكًا في القرار وقادرًا على المحاسبة؟
أما التجربة المصرية، فقامت على محاولة تمثيل فئات المجتمع المختلفة، كالعمال والفلاحين والمهنيين والطلاب، مع تخصيص 50% من مقاعد المجالس النيابية للعمال والفلاحين. غير أن السؤال يبقى: إلى أي مدى تحقق التمثيل الحقيقي؟ وهل أتاحت مركزية التنظيم مساحة كافية للاختلاف والمشاركة؟
لا ينبغي أن تتحول تجربة الماضي إلى حنين، كما لا يجوز رفض التجربة الحزبية الراهنة لمجرد إخفاقاتها. المطلوب استخلاص الدروس والبحث عن صيغة تحقق المشاركة الشعبية، وتربط المسؤولية بالكفاءة والمحاسبة. فكثرة الأحزاب لا تعني تعددًا حقيقيًا في الرؤى، كما أن وحدة التنظيم لا تضمن عدالة التمثيل. وقد تتحول الأحزاب إلى تجمعات لمصالح شخصية أو عائلية أو اقتصادية، تتنافس على المقاعد أكثر من تنافسها على تقديم الحلول.
وتبرز هنا خطورة المال السياسي، حين يصبح الوصول إلى البرلمان متاحًا لمن يملك القدرة على الإنفاق، لا لمن يعبّر عن مصالح الناس. فهل نريد برلمانًا يعكس تنوع المجتمع، أم مجلسًا تتكرر فيه الأسماء والمصالح؟
إن تجديد الحياة السياسية لا يكون بزيادة الأحزاب أو تغيير أسماء التنظيمات، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وضمان تكافؤ الفرص، وتحرير المنافسة من سطوة المال والنفوذ، وإتاحة المجال للرأي الآخر.
وقد قال الإمام علي بن أبي طالب: «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق». وهي كلمة تذكرنا بأن السياسة وسيلة لخدمة الإنسان وصيانة حقوقه، لا صراعًا على الامتيازات.
فليست القضية أن نختار بين حزب واحد ومائة حزب، وإنما أن نسأل: أي نظام يجعل الشعب شريكًا في القرار، لا مجرد رقم في كشوف الناخبين؟ وأي مؤسسات تسمع صوته وتحول إرادته إلى سياسات تحقق مصالحه؟ فالديمقراطية التي لا يشعر المواطن بثمارها تظل شكلًا بلا مضمون، أما حقيقتها فتبدأ حين يصبح الشعب صاحب الصوت والحق في السؤال والمحاسبة.