فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

هل تهدد خلافات الليبراليين واليسار مشروع «الحرس الجديد» لإعادة بناء الحركة المدنية؟

الحركة المدنية الديمقراطية
الحركة المدنية الديمقراطية

لا يتوقف الجدل حول القرارات الأخيرة لـ الحركة المدنية الديمقراطية، التي تضم طيفا واسعا من أحزاب المعارضة، والتي قررت مؤخرا إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، وبدأت مسيرتها المنتظرة بإعلان موقف حاد وصارم من الأحزاب المنسحبة أو التي جمدت نفسها حتى إشعار آخر بسبب الخلاف حول أسلوب اتخاذ القرار أو إدارة الخلافات.

لكن المثير أن الحركة المدنية التي جددت قيادتها وطعمت صفوفها بعدد من الشباب، وجدت نفسها أمام عدد كبير من البيانات النارية للأحزاب المنسحبة أو المجمدة يطعن في أسلوب القيادة الجديدة، الذي يؤكد بالنسبة لهم استمرار أزمة إدارة الاختلاف، مما يطرح العديد من التساؤلات الجوهرية حول مستقبل الحركة ومن يملك قرارها.. وكيف تدار التحالفات السياسية داخلها؟

ماذا حدث في الحركة المدنية ؟ 

في 11 سبتمبر الجاري، أعلنت الحركة المدنية الديمقراطية مجموعة من القرارات لإعادة تنظيم هيكلها، تضمنت إلغاء مجلس الأمناء، واختيار أكرم إسماعيل منسقًا عامًا، وتشكيل لجنة تنفيذية، إلى جانب اعتماد الأمانة العامة كإطار بديل لمجلس الأمناء، مع الإبقاء على الباب مفتوحًا أمام انضمام قوى وشخصيات جديدة. وجاءت الخطوة بعد أشهر من النقاش حول مستقبل الحركة، في وقت كانت فيه عدة أحزاب قد جمدت نشاطها أو أعلنت انسحابها.

لكن الغريب أن إعادة الهيكلة لم تُنه الأزمة؛ بل نقلتها إلى مستوى جديد. فالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أحد الأحزاب السبعة التي شاركت في تأسيس الحركة، خرج في 14 سبتمبر ببيان يؤكد أنه لم يطلب العودة إلى عضويتها، منتقدًا ما اعتبره إدارة للائتلاف بمنطق الأغلبية والأقلية، وتمسك الحزب برؤيته حول التحالفات السياسية والتي يراها تدار بالتوافق، مع احتفاظ كل حزب بحقه في العمل منفردًا في الملفات التي لا يتفق عليها مع باقي الأطراف.

في المقابل، قدم مدحت الزاهد، المنسق العام الأسبق للحركة، تفسيرًا مختلفًا لطبيعة الأزمة، معتبرًا أن الخلافات مع بعض الأحزاب المنسحبة لا تتعلق بإشكاليات شخصية، وإنما بمواقف مرتبطة بميثاق تأسيس الحركة، وعلى رأسها مشاركة بعض الأحزاب في قوائم انتخابية أشرفت عليها أحزاب موالية للسلطة، وفي الوقت نفسه، شدد على أن الخروج عن إطار الحركة لا يعني بالضرورة القطيعة السياسية، مؤكدا ان التنسيق يمكن أن يستمر في القضايا التي تتلاقى حولها القوى المختلفة.

من يملك القرار داخل الحركة المدنية؟ 

هنا تبدأ القصة الحقيقية، فالمعركة الحالية لا تتعلق فقط بأسماء أعضاء المكتب التنفيذي أو عدد ممثلي كل حزب، وإنما تكشف سؤالًا مؤجلًا داخل الحركة منذ سنوات: هل الحركة المدنية تحالف تنسيقي بين أحزاب مستقلة، أم أنها كيان سياسي له قرارات ملزمة لأعضائه؟

حسب خبراء، إذا كانت الحركة مجرد إطار تنسيقي، فمن الطبيعي أن يحتفظ كل حزب بحقه في اتخاذ مواقف منفردة في القضايا التي لا يوجد حولها توافق. أما إذا كانت الحركة تتعامل باعتبارها كيانًا سياسيًا موحدًا، هنا إصدار موقف باسمها يصبح مرتبطًا بقواعد محددة للتمثيل والتصويت واتخاذ القرار، وبمدى التزام الأحزاب الأعضاء بما يصدر عن القيادة.

بيان المصري الديمقراطي يعيد هذه النقطة إلى الواجهة بوضوح؛ فالحزب يقول إن فلسفة الائتلاف منذ البداية قامت على «العمل فيما نتفق عليه» مع السماح بالاختلاف في الملفات الأخرى، بينما ترى قيادات داخل الحركة أن بعض الخلافات الأخيرة تجاوزت حدود الاختلاف السياسي إلى مواقف تتعارض مع المبادئ التي تأسست عليها الحركة.

والأسئلة التي لم تجاوب عنها القيادة للجديدة للحركة: 

من يضع جدول الأعمال؟

من يحق له إصدار بيان باسم الحركة؟

هل القرار بالتوافق أم بالتصويت؟

وإذا تعذر التوافق، هل تملك الأغلبية حق فرض موقفها؟

وماذا يحدث عندما يرفض حزب عضو قرارًا صدر باسم الحركة؟

وهل الانسحاب أو تجميد النشاط قرار فردي للحزب أم يحتاج إلى آلية داخلية؟

الحرس الجديد للحركة المدنية، متلازمة الأختبار الأول 

إعادة الهيكلة جاءت في وقت كانت فيه الحركة تحاول ضخ دماء جديدة وتجاوز حالة الجمود التي انتقدها بعض أعضائها خلال السنوات الماضية، وكانت الحركة المدنية قد بدأت بالفعل خطوات باتجاه تجديد بنيتها، من بينها تشكيل أمانة للشباب في 2025 بهدف تنشيط الحركة وتجاوز ما وصفه قياداتها بالطابع الجيلي القديم.

كما شهد يونيو الماضي تحركات لإعادة ترتيب أوضاع الحركة، في أعقاب خلافات وانسحابات، قبل أن تتجه لاحقًا إلى الهيكلة الجديدة التي أعلنت في سبتمبر، لكن دخول وجوه جديدة إلى مواقع القيادة لا يعني تلقائيًا انتهاء مشكلات الجيل السابق، بل على العكس، قد يكون الاختبار الحقيقي للقيادة الجديدة هو قدرتها على التعامل مع أول خلاف كبير دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام جديد، وهل ستتعامل مع الأحزاب التي ابتعدت باعتبارها خصومًا، أم باعتبارها قوى مدنية يمكن استمرار التنسيق معها؟ وهل تستطيع الحركة وضع حدود واضحة بين العضوية الرسمية وبين التعاون السياسي الأوسع؟

تصريحات الزاهد تقدم إجابة على هذه الأسئلة، إذ يميز الكادر التاريخي لليسار المصري، بين تحديد أطراف الحركة من ناحية، واستمرار التنسيق مع القوى المدنية الأخرى من ناحية ثانية، أما المصري الديمقراطي، فيقول إنه رغم تجميد نشاطه لم يقطع التواصل مع مكونات الحركة، وقياداته ونوابه استمروا في المشاركة في أنشطة وملفات مشتركة، وبالتالي البقاء أو التجميد أو الابتعاد لا يعني بالضرورة تفتت خريطة المعارضة المدنية.

التيار اليساري مقابل الليبرالي، من يملك إعادة رسم هوية الحركة المدنية ؟ 

ضمن الجدل الدائر حول القرارات الجديدة، خرجت اتهامات من بعض المعترضين تعلن رفضها هيمنة التيار اليساري والناصري على التشكيل التنفيذي، وهي اتهامات نفتها قيادات في الحركة، بينما تؤكدها وفاء صبري رئيس حزب الدستور، التي أوضحت أن التشكيل يعكس تمثيلًا غير متوازن للتيارات السياسية داخل الحركة، مما يفجر تساؤلات أكبر عن طبيعة التمثيل داخل الحركة المدنية، وهل يجري اختيار ممثلي الحركة وفق حجم كل حزب أم وفق عدد سنوات عضويته، أم وفق التوافق بين الأحزاب أو الوزن السياسي، وهل تملك الشخصيات العامة مساحة مساوية للأحزاب داخل صفوف الحركة ؟ 

ويتساءل مراقبون أيضا: إذا كانت الحركة تضم تيارات ليبرالية ويسارية وناصرية، فما الحد الأدنى من القضايا التي يمكن أن تتفق عليها هذه الأطراف؟ وهل الاختلاف الاقتصادي والاجتماعي بين هذه التيارات يسمح بتحالف سياسي طويل المدى، أم أن القضايا الديمقراطية والحريات تمثل فقط نقطة الالتقاء التي يمكن أن تجمعها؟

من الكتلة لـ الإنقاذ، لماذا نجحت تحالفات الليبراليين واليسار بعد 2011 وفشلت الآن ؟ 

بعد نجاح ثورة 25 يناير عام 2011، وفي ذروة انتخابات المجلس النيابي عام 2011، تشكلت «الكتلة المصرية» بتحالف ضم قوى ليبرالية ويسارية واجتماعية ديمقراطية، بينها المصريون الأحرار والمصري الديمقراطي الاجتماعي والتجمع. 

وتكشف دراسات اجريت عن تلك الحقبة ان نتخابات 2011 كان هدفها الأساسي جمع قوى مدنية في مواجهة التكتلات الإسلامية، رغم وجود اختلافات واضحة في الخلفيات السياسية والاقتصادية للأطراف المشاركة.

وفي 2012 ظهرت «جبهة الإنقاذ الوطني» بصورة أوسع، وضمت قوى وأحزابًا من اتجاهات ليبرالية ويسارية وقومية، وجاء تشكيلها في سياق أزمة سياسية حادة أعقبت الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، وحسب خبراء، تكشف التجربتان أن التحالف بين الليبراليين واليسار لم يكن مستحيلًا في مصر، بل حدث بالفعل عندما التقت الأطراف حول هدف سياسي محدد.

لكن المشكلة وفق الخبراء تكمن في أن التحالفات التي تنشأ لمواجهة أزمة محددة، يكون الهدف المشترك واضحًا وقادرًا على تغطية مساحة الخلافات الأخرى. أما عندما يتحول التحالف إلى إطار دائم، هنا تظهر الألغام والثغرات والأسئلة المؤجلة: من يقود؟ من يمثل؟ من يقرر؟ ما حدود التنازل؟ وما القضايا التي يجوز لكل حزب أن يخالف فيها الموقف الجماعي؟ وهنا تحديدًا تبدو أزمة الحركة المدنية الحالية أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف تنظيمي.

ضعف الأحزاب = ضعف الحركة المدنية 

حسب مصدر داخل الحركة، مشكلة الحركة المدنية ليست منفصلة عن مشكلات الأحزاب التي تتكون منها، فإذا كانت الأحزاب نفسها تعاني ضعفًا تنظيميًا أو محدودية في الانتشار الجماهيري أو تفاقم الخلافات الداخلية، فمن الصعب أن ينتج عنها تحالف قوي ومستقر. وهذا الطرح ظهر بالفعل في نقاشات سابقة حول الحركة، حيث ربط ضعف التحالف بأوضاع مكوناته الحزبية نفسها.

ويرى المصدر أن تجربة الانتخابات الرئاسية 2024 كانت اختبارًا سابقًا لقدرة الحركة على الوصول إلى موقف موحد؛ إذ لم تتمكن في 2023 من التوافق على مرشح رئاسي واحد، في ظل وجود أكثر من مرشح من داخل مكوناتها، وبالتالي فإن الأزمة الحالية ليست أول مرة يظهر فيها سؤال «التوافق» داخل الحركة، لكن الجديد هذه المرة أن الخلاف يأتي بعد قرار إعادة الهيكلة تحديدًا، أي أن الحركة تحاول إعادة بناء قواعدها في اللحظة التي تتعرض فيها تلك القواعد للاختبار.

وبالعودة للتاريخ، بدأت الحركة المدنية كمساحة تجمع أحزابًا وشخصيات ذات خلفيات مختلفة حول مجموعة من المبادئ والأهداف السياسية، وأعلن إطلاقها رسميًا في ديسمبر 2017 وسط مشاركة قوى حزبية وشخصيات عامة من اتجاهات متعددة.

وبمرور الوقت، اتسعت قائمة الأسئلة التي تواجهها: هل هي تحالف انتخابي؟ أم جبهة معارضة؟ أم إطار دائم للتنسيق؟ وهل يمكن أن تكون بديلًا سياسيًا واسعًا بينما تضم في داخلها أحزابًا تختلف في الاقتصاد والسياسة الاجتماعية وفي تقييم بعض الاستحقاقات الانتخابية؟

القرارات الأخيرة تحاول الإجابة عن هذه الأسئلة عبر إعادة تشكيل هيكل الحركة، لكن الخلاف الكبير الذي ظهر بعد أول بيان، يوضح أن المشكلة ليست في شكل هيكل الحركة فقط، وإنما في الاتفاق على قواعد اللعبة داخله، وحسب خبراء، الصراع الحالي لحظة اختبار مهمة لتجربة الحركة المدنية كلها، فإما أن يؤدي الخلاف إلى إعادة تعريف قواعد العضوية والتمثيل وصناعة القرار، بحيث يصبح الاختلاف جزءًا طبيعيًا من العمل داخل التحالف، أو ينتهي بالحركة إلى مزيد من العزلة والتقوقع بلا فاعلية أو تأثير.