فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الميت أبقى من الحي!

اعتدنا نحن الصحفيين وخاصة العاملين في مجال التليفزيون أن نصنع الحدث عندما لا يوجد حدث، وصناعة الحدث يفرضها الواقع المفلس، كما تفرضها المنافسة بين القنوات، والرغبة في جلب الإعلانات، وتحويل سكون الشاشة إلى حراك يجذب المشاهد. أما في حالة توفر الأحداث فتكون المنافسة على طريقة المعالجة التي تستقطب الجمهور، ونوعية الضيوف والإبهار في الصورة.


غالبية الأحداث التي يذهب الصحفيون لصناعتها يتم اجترارها من الماضي، مثل فتح ملف معين من فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر، يستضيف البرنامج أحد المعارضين ليتحدث بحرية، ثم يحدث الجدل المتعمد الذي يستوجب إستضافة وجهة النظر الأخرى في اليوم التالي، أو يفتح البرنامج ملفًا من فترة حكم الرئيس السادات أو الرئيس مبارك.. يتحدث المعارض، وبعده يأتي المؤيد، وهكذا.


استدعاء الماضي دون أسباب عادة ما يكون بسبب حالة الجمود التي تنتج واقعًا مفلسًا، فلا أحداثًا تغري البرامج بمناقشتها.. ولا ضيوفًا لديهم القدرة على إستقطاب المشاهد.. فهل تعاني البرامج من واقعًا مفلسًا حتى تستدعي الماضي؟ 

 

المنطقة على صفيح ساخن، والشرق الأوسط يعاد تشكيله، وما يحدث في منطقتنا يهدد وجودنا وينعكس على العالم بأثره، وفي كل ثانية يوجد حدث تحتاج مناقشته على الشاشة ساعات، ومع ذلك نستدعي الماضي لإثارة الجدل وركوب الترند وكأننا نهرب من مناقشة واقع عربي وعالمي مرير.


إستدعاء الماضي للهروب من الحاضر لم يقتصر على القنوات التليفزيونية.. لكنه أصبح القاسم المشترك بين كل برامج البودكاست التي أصبحت الطريقة الأسهل لممارسة مهنة الإعلام.


أما إذا أرادت البرامج مناقشة الواقع وتناست شعار (الميت أبقى من الحي) نراها تتسابق على إقتحام البيوت للنيل من خصوصيتها، فهذه تشاجرت مع زوجها.. وهذا طلق زوجته بالتلاتة، وبالتلاتة كانت نهاية العلاقة الزوجية بين أكثر زوجين إثارة للجدل في الفترة الأخيرة، ولا أعرف ماذا سيفعل القائمون على البرامج في الفترة الأخيرة.

الواقع لم يعلن إفلاسه، والأحداث بالجملة.. فلماذا النبش في فترة عبدالناصر والسادات ومبارك؟! ولماذا إثارة الفتنة في توقيت عصيب نحتاج فيه إلى لم الشمل؟! إذا كنا نعاني عجزًا في مناقشة الحاضر.. وتحتم علينا طبيعة البرامج الظهور يوميًا.. فعلينا الإكتفاء بقراءة الأخبار فقط، وهناك عشرات الأخبار الجديدة كل ساعة تكفي لبرنامج مدته ساعة على الهواء. 

نواسي أهل فقيد بالمثل الشعبي (الحي أبقى من الميت) ونواسي العديد من المذيعين الذين هربوا إلى الماضي رافعين شعار (الميت أبقى من الحي) نواسيهم في بوصلة عزيزة فقدوها.