فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

التعليم.. مصنع لإعادة إنتاج الطبقات!

لم يعد التعليم في مصر، في صورته الراهنة، مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة أو بوابة طبيعية للصعود الاجتماعي؛ بل أصبح، في جانب متزايد منه، أداة لإعادة إنتاج الطبقات. لقد تغيرت قاعدة اللعبة: من يمتلك المال يستطيع أن يشتري لأبنائه تعليمًا أفضل، ومن يملك قدرة مالية محدودة يجد نفسه مضطرًا إلى الاكتفاء بما تسمح به موارده، حتى لو كان ذلك على حساب جودة تعليم أبنائه ومستقبلهم. 

 

وهنا تكمن المفارقة القاسية: الدولة التي يفترض أن تجعل التعليم أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، تسمح لمن يملك المال بالحصول على فرص تعليمية أكثر اتساعًا، بينما يواجه محدودو الدخل منظومة من القيود التي تضيق خياراتهم عامًا بعد آخر. لم يعد السؤال فقط: من هو الأكثر اجتهادًا؟ بل أصبح قبل ذلك: من يستطيع أن يدفع أكثر؟ وهذه ليست مسألة اقتصادية عابرة، وإنما تحول خطير في وظيفة التعليم نفسه.

 

فالأسرة الميسورة لا تشتري مدرسة أو جامعة فقط، وإنما تشتري بيئة كاملة لصناعة المستقبل: تعليمًا خاصًا، لغات أجنبية، دروسًا وتدريبًا، أجهزة رقمية، أنشطة ثقافية ورياضية، مهارات تكنولوجية، وربما تعليمًا دوليًا أو فرصة للدراسة خارج مصر. 

 

هذه الموارد المتراكمة تمنح أبناءها رصيدًا ثقافيًا واجتماعيًا ومهنيًا يضعهم في موقع متقدم قبل أن يدخلوا سوق العمل أصلًا. في المقابل، يكافح ابن الأسرة الفقيرة أو محدودة الدخل من أجل الحصول على الأساسيات، وقد يصبح الإنفاق على الدروس أو اللغات أو التدريب أو الأجهزة عبئًا لا تستطيع الأسرة تحمله. 

 

وهكذا يتحول الفارق في الدخل إلى فارق في التعليم، ثم يتحول الفارق التعليمي إلى فارق في فرص العمل، ثم يتحول فارق العمل إلى فارق في الدخل والمكانة، لتعود الدورة من جديد. الثروة تشتري تعليمًا أفضل، والتعليم الأفضل يشتري فرصًا أفضل، والفرص الأفضل تنتج ثروة أكبر.

 

المشكلة هنا ليست أن الأسر الغنية تنفق على أبنائها، فهذا حق طبيعي، وليست في وجود التعليم الخاص باعتباره خيارًا تعليميًا. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح جودة الفرصة التعليمية مرتبطة بصورة متزايدة بقدرة الأسرة على الدفع. عندها يتحول التعليم من حق عام إلى سلعة متفاوتة الجودة، ويصبح المواطن أمام واقع يقول له بصورة غير مباشرة: إذا أردت فرصة أفضل لابنك، فعليك أن تدفع أكثر. 

 

أما إذا لم تستطع، فعليك أن تقبل بما هو متاح. وهنا تفقد الدولة أحد أهم أدوارها الاجتماعية؛ لأن وظيفة الدولة ليست أن تمنع الأغنياء من تحسين حياة أبنائهم، وإنما أن تضمن ألا يكون الفقر سببًا في حرمان أبناء الفقراء من فرصة عادلة. تكافؤ الفرص لا يعني أن تفتح الدولة أبواب المدارس والجامعات للجميع فقط، وإنما يعني أن يكون ما وراء هذه الأبواب من جودة وتعليم وتأهيل متاحًا بصورة عادلة.

 

والأكثر خطورة أن هذه المنظومة لا تتوقف عند حدود المدرسة والجامعة، وإنما تمتد إلى سوق العمل. فالشاب الذي حصل على تعليم أفضل، ولغات أقوى، وتدريب أكثر، وخبرات متنوعة، وشبكة اجتماعية أوسع، يدخل سوق العمل بأدوات مختلفة تمامًا عن شاب آخر يحمل شهادة جامعية، لكنه حرم من كثير من هذه الموارد. 

 

ثم يأتي الخطاب التقليدي ليخبر الاثنين بأن السوق "يعطي كل ذي حق حقه" وأن الوظيفة للأكثر كفاءة! لكن أي كفاءة نتحدث عنها؟ وكيف نقيس الكفاءة دون أن نسأل عن الظروف التي أنتجتها؟ لا يمكن أن نطلب من شابين المنافسة في السباق نفسه بينما أحدهما قضى سنوات يتلقى استثمارًا تعليميًا ضخمًا، والآخر كان يحاول فقط ألا يخرج من النظام التعليمي قبل إتمامه. المساواة في لحظة التوظيف لا تعني عدالة إذا كانت نقطة البداية غير متساوية.

 

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن ما يحدث أخطر من مجرد اتساع فجوة تعليمية؛ إنه عملية إعادة إنتاج اجتماعي للمواقع الطبقية. الغني لا يورث أبناءه المال والعقارات فقط، وإنما يورثهم أيضًا اللغة والثقافة والعلاقات والمعرفة والقدرة على الوصول إلى المؤسسات والفرص. أما الفقير فقد لا يرث أبناءه الفقر وحده، وإنما يرثهم أيضًا محدودية الخيارات. 

 

وهكذا يصبح الموقع الاجتماعي أقل قابلية للتغيير، ويصبح الصعود من أسفل السلم أكثر صعوبة. وإذا استمرت هذه العملية، فإن المجتمع يتحول تدريجيًا من مجتمع يسمح بالحراك الاجتماعي إلى مجتمع تميل فيه المواقع إلى الانتقال من الآباء إلى الأبناء. الأغنياء يحمون امتيازاتهم بالتعليم، والفقراء يواجهون فقرهم بتعليم أقل قدرة على كسر الحلقة.

 

وهنا تأتي المسؤولية السياسية للحكومة بوضوح لا يحتمل المواربة. فهذه النتائج ليست قدرًا اجتماعيًا مفروضًا من السماء، وإنما ترتبط بدرجة كبيرة بالسياسات العامة وبقدرة الدولة على حماية جودة التعليم العام وتوفير فرص متقاربة لأبناء الطبقات المختلفة. 

 

وعندما يصبح المواطن مضطرًا إلى دفع المزيد للحصول على تعليم أفضل، ثم دفع المزيد للحصول على تدريب أفضل، ثم دفع المزيد لتوفير أدوات المنافسة في سوق العمل، فإن السؤال يصبح مشروعًا: إلى أي مدى ما زال التعليم حقًا اجتماعيًا، وإلى أي مدى تحول إلى خدمة يحدد السوق جودتها وفقًا للقدرة على الدفع؟ 

إن الحكومة التي تتحدث عن العدالة الاجتماعية مطالبة بأن تواجه هذه الفجوة في الواقع، لا في الشعارات؛ لأن استمرارها يعني عمليًا أن الدولة تترك السوق يقوم بعملية الفرز الاجتماعي نيابة عنها.

 

الأخطر أن الفاتورة لا يدفعها جيل واحد. فإذا حصل أبناء الطبقة الغنية على تعليم أفضل، فستكون احتمالات حصولهم على وظائف ودخول أفضل أكبر، وسيتمكنون بدورهم من توفير تعليم أفضل لأبنائهم. أما الأسر الفقيرة، فستظل محاصرة داخل دائرة انخفاض الدخل وضعف الفرص التعليمية ومحدودية فرص العمل. 

 

وهكذا يصبح المجتمع أمام مسارين متوازيين: مسار صاعد تتراكم فيه المزايا، ومسار هابط تتراكم فيه القيود. وعندها لا تعود عبارة "الفقر ينتقل من جيل إلى جيل" مجرد توصيف اقتصادي، وإنما تصبح حقيقة اجتماعية تصنعها الفوارق في التعليم. إن أخطر أشكال عدم المساواة هو أن يصبح مستقبل الطفل محددًا بدرجة كبيرة بمقدار المال الموجود في جيب والده.

لذلك فإن قضية التعليم في مصر تحتاج إلى مواجهة سياسية ومجتمعية صريحة، لا إلى المزيد من العبارات المنمقة عن تطوير المنظومة. السؤال الحقيقي ليس كم مدرسة بنيت، ولا كم جامعة افتتحت، وإنما: هل أصبح ابن الأسرة محدودة الدخل أقرب إلى فرصة عادلة أم أبعد عنها؟ إذا كانت الإجابة أنه ما زال يحتاج إلى المال كي يحصل على التعليم الذي يؤهله لمنافسة أبناء الأغنياء، فهذه ليست أزمة تعليم فقط؛ إنها أزمة عدالة اجتماعية. 

فالدولة التي تسمح بأن يتحول المال إلى تعليم، والتعليم إلى وظيفة، والوظيفة إلى ثروة، ثم تعود الثروة لتشتري تعليمًا أفضل للجيل التالي، تكون أمام دائرة مكتملة لإعادة إنتاج الطبقات. وحين يصبح التعليم وسيلة لحماية من هم في القمة بدلًا من أن يكون جسرًا لصعود من هم في القاع، فإننا لا نكون قد فشلنا في إصلاح التعليم فقط؛ بل نكون قد فشلنا في حماية فكرة المجتمع العادل نفسها، اللهم بلغت اللهم فاشهد.