كفاية استهانة واستعراض!
واقعة محافظ القليوبية مع مديرة إحدى المدارس، التي شغلت الرأي العام ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم تكريم وزير التربية والتعليم للمديرة ذاتها، تعيد فتح ملف يستحق مراجعة جادة: كيف ينبغي أن يتعامل المسؤول مع مرؤوسيه؟ وأين تنتهي صلاحيات المنصب، وأين تبدأ حقوق الإنسان الذي يشغل وظيفة أدنى؟
ليست القضية دفاعًا عن موظف مقصر، ولا اعتراضًا على حق المحافظ أو الوزير في متابعة العمل ومحاسبة المسؤولين. فالمؤسسات العامة ليست ملكًا لأحد، والتقصير في أداء الواجب لا يجوز التساهل معه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكون المحاسبة بإهدار الكرامة، أم بإعمال القانون؟ وهل تحتاج هيبة المسؤول إلى مشهد علني يضع موظفًا أمام ملايين المشاهدين، ويجعله وأسرته مادة للسخرية والتعليقات؟
إن الموظف الذي يخطئ يُحاسب على خطئه، والمقصر يخضع للتحقيق، والمتجاوز يتحمل نتيجة تجاوزه. أما تحويل الجولات الميدانية إلى محاكمات أمام الكاميرات، فهو خلط بين الرقابة والاستعراض، وبين الحزم والتعسف. فالكاميرا ليست محكمة، والمنصب ليس حصانة من الخطأ.
وما أصعب أن يجد الموظف نفسه في مواجهة مسؤول أعلى منه سلطة، بينما تحاصره الكاميرات، ويمنعه خوفه على لقمة عيشه من الرد أو توضيح الحقيقة. وقد يكون صمته احترامًا للمنصب، أو عجزًا عن الدفاع عن نفسه، لا إقرارًا بصحة كل ما يقال. فكيف نطالب العاملين بالمبادرة وتحمل المسؤولية، إذا كان الخطأ قد يتحول إلى مشهد للتشهير بهم؟
لقد قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وجاء التوجيه النبوي واضحًا: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». وليس في الرفق ضعف، ولا في احترام الإنسان تهاون مع التقصير؛ بل إن العدل هو أن نضع كل أمر في موضعه، فنحاسب المخطئ دون أن نصنع خطأً جديدًا في حقه.
وفي دول أخرى، تقوم قواعد الإدارة العامة على قيم النزاهة والموضوعية والمساءلة، وتُعالج المخالفات الوظيفية من خلال إجراءات محددة للتحقيق والتأديب، لا بمجرد انفعال المسؤول أو تقديره الشخصي. وليس معنى ذلك أن الخارج يخلو من التجاوزات، وإنما أن الدولة الحديثة لا تجعل كرامة الموظف رهينة مزاج رئيسه، بل تحكم العلاقة بينهما قواعد وحقوق وواجبات.
أما عندنا، فما زالت بعض الممارسات توحي بأن المنصب يمنح صاحبه سلطة مطلقة، وأن الموظف الأدنى درجة لا يملك إلا الطاعة والصمت. وهذا منطق العزبة، لا منطق الدولة؛ فالمحافظ ليس مالكًا للمحافظة، والوزير ليس صاحب الوزارة، ورئيس المصلحة ليس سيدًا على العاملين فيها. جميعهم مسؤولون أمام القانون، وجميعهم مؤتمنون على خدمة المواطن.
ولعل تكريم وزير التعليم لمديرة المدرسة يحمل رسالة تقدير مستحقة للعاملين في التعليم، لكنه ينبغي ألا يظل مجرد رد فعل لواقعة أثارت الجدل، بل أن يكون بداية لمراجعة أسلوب التعامل مع الموظفين في مختلف مؤسسات الدولة. فالمطلوب ليس منع المسؤول من النزول إلى مواقع العمل، وإنما تنظيم هذه الجولات، ومنع التوبيخ المهين والتشهير، وإحالة المخالفات إلى جهات التحقيق المختصة، مع ضمان حق الموظف في الرد والدفاع عن نفسه.
إن المسؤول الذي يعمل بجد لا يحتاج إلى الكاميرات كي يثبت أنه يعمل؛ فنتائج عمله تتحدث عنه، ونجاح مؤسسته يشهد له. أما من يظن أن ارتفاع صوته على مرؤوسيه دليل على قوة إدارته، فقد يكتشف أنه لا يصنع إلا موظفين خائفين، ومؤسسات تفضل السلامة على المبادرة.
فهل نريد إدارة تحكمها النتائج والقانون، أم مشاهد تتصدر مواقع التواصل لساعات ثم تختفي، بينما تبقى آثار الإهانة في نفوس أصحابها؟ وهل تكون هيبة الدولة في أن يخشى الموظف رئيسه، أم في أن يثق بأن حقه محفوظ، وأن المحاسبة لن تتحول إلى انتقام أو استعراض؟
كفاية إهانة.. كفاية بحثا عن ترندات على حساب كرامة الناس. فالدولة القوية لا تحتاج إلى إذلال موظفيها كي تثبت هيبتها، والمسؤول الناجح لا ينتقص من قدره أن يحترم من هم أدنى منه درجة. إنما الهيبة في العدل، والنجاح في النتائج، والسلطة الحقيقية في أن تستطيع محاسبة المخطئ دون أن تتحول أنت إلى مصدر للخطأ.