فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الطب ليس تجارة.. فمن يحمي مستقبل المهنة؟

موقف الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، الرافض لقبول طلاب بكليات الطب بنسبة 50%، ليس تشددًا في شروط الالتحاق، ولا دفاعًا عن مهنة تريد أن تغلق أبوابها أمام الآخرين؛ وإنما هو تحذير واجب من مسار قد يدفع المجتمع ثمنه من صحته، ويدفع الطب ثمنه من سمعته، إذا أصبح التوسع في أعداد الدارسين أهم من جودة إعدادهم.


والأخطر أن يأتي هذا التوسع في ظل تمدد الجامعات الخاصة والأهلية في التعليم الطبي، بما يفتح سؤالًا أكبر حول تسليع التعليم وتحويل بعض التخصصات شديدة الحساسية إلى سوق يتسابق فيه العرض والطلب. فهل يصبح المال قادرًا على فتح أبواب كلية الطب أمام من لم يستوفِ الحد الكافي من الاستعداد العلمي؟ وهل يجوز أن تتحول المهنة التي تتعلق بحياة الإنسان إلى مجال للتوسع الاستثماري قبل اكتمال مقوماتها التعليمية والتدريبية؟


ثم من أين ستأتي هذه الجامعات بأعضاء هيئة التدريس؟ ألن يكون جزء كبير منهم من أساتذة الجامعات الحكومية وأطبائها الذين تحملت الدولة سنوات إعدادهم وتأهيلهم؟ وإذا كانت الجامعات الجديدة تستقطب الكفاءات نفسها، فمن يضمن ألا يكون التوسع فيها استنزافًا للجامعات الحكومية، وانتقاصًا من قدرتها على أداء رسالتها التعليمية والبحثية والطبية؟ وهل يجوز أن نقوي طرفًا من المنظومة التعليمية على حساب الطرف الذي يمثل عماد التعليم الطبي في مصر؟


والقضية لا تتعلق بعدد الطلاب وحده؛ فالطب ليس شهادة تُمنح، وإنما علم متجدد ومسؤولية قد تتعلق بحياة إنسان. فكيف نتوسع في أعداد المقبولين قبل أن نتأكد من وجود مستشفيات تعليمية كافية، وأعضاء هيئة تدريس، وأماكن تدريب، وحالات سريرية متنوعة، وإشراف طبي حقيقي لكل طالب؟


إن المستشفى التعليمي ليس مبنى مكملًا ولا واجهة للكلية، وإنما هو المعمل الحقيقي الذي يتعلم فيه الطالب كيف يفحص المريض ويشخص مرضه ويتخذ القرار تحت إشراف المتخصصين. ومن ثم فإن قبول أعداد تفوق الطاقة التعليمية والتدريبية قد ينتج خريجين يحملون شهادات، لكنهم لم يحصلوا على الخبرة التي تفرضها طبيعة المهنة.


ولا يعني ذلك أن انخفاض المجموع وحده يحكم على الطالب بالفشل؛ فالمجموع ليس المعيار الوحيد للكفاءة. لكن الخطورة تكمن في خفض معايير القبول دون ضمانات صارمة تعوض ذلك بمعايير علمية وتدريبية حقيقية. وفي الدول التي تحرص على جودة التعليم الطبي، لا تُقاس قوة المنظومة بعدد الكليات والخريجين، وإنما بجودة القبول، وكفاءة هيئة التدريس، وتوافر التدريب السريري، والتقييم المستمر للكفاءة.


فهل نريد زيادة أعداد الأطباء، أم زيادة عدد الحاصلين على شهادات الطب؟ وهل نريد تعليمًا طبيًا ينافس عالميًا، أم توسعًا جامعيًا قد يضعف المؤسسات الحكومية التي صنعت أجيالًا من أطباء مصر؟ وهل نضع صحة المواطن ومستقبل المهنة فوق اعتبارات التوسع والربح؟


لذلك لا ينبغي أن يتوقف الأمر عند تصريحات نقيب الأطباء، وإنما يجب الإسراع في مراجعة شروط القبول، وربط أعداد الطلاب بالطاقة التعليمية والتدريبية الفعلية، والتأكد من توافر المستشفيات وأماكن التدريب، والحفاظ في الوقت نفسه على قوة الجامعات الحكومية وكوادرها، وعدم السماح بقبول دفعات جديدة في أي كلية لا تستوفي متطلبات التعليم الطبي.

فالطب مهنة سامية، وحمايتها تبدأ من بوابة الكلية؛ من اختيار الطالب، إلى جودة تعليمه، إلى تدريبه الحقيقي. ومن يفرط في شروط إعداد الطبيب اليوم، قد يدفع غدًا ثمن ذلك مريضًا يبحث عن طبيب، ومجتمعًا يبحث عن الثقة، وبلدًا يبحث عن مكانته التي صنعها أطباء مصر عبر عقود. أما عن موقف وزير التعليم العالي فقد اكتفي بجلوسه علي مكتبه الفخيم دون تحرك وكأن الأمر لا يعنيه. عليه العوض ومنه العوض علي بعض وزرائنا.