فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

سرطان الهيكلة

أمراض الهيكلة الادارية تصل إلى أن تُوصف بالسرطان، ولعلنا نأخذ حالة الهيكلةُ الوزاريةُ للتجارةِ في مصرَ: أربعونَ عامًا من التحولاتِ وأثرُها في الصادراتِ ومنظومةِ التجارةِ نموذجا..

فعلى امتدادِ أربعةِ عقودٍ، ظلَّ قطاعُ التجارةِ في مصرَ -داخليًّا وخارجيًّا- أحدَ أكثرِ الملفاتِ تشابكًا في الجهازِ التنفيذيِّ. يرتبطُ هذا القطاعُ بالاتفاقياتِ الدوليةِ، والمعالجاتِ التجاريةِ، وتنميةِ الصادراتِ، والجماركِ، والرقابةِ على الصادراتِ والوارداتِ، وهيئةِ المعارضِ، والتمثيلِ التجاريِّ، كما يرتبطُ ارتباطًا عضويًّا بوزارةِ الخارجيةِ في الخارجِ وبمنظومةِ الصناعةِ والاستثمارِ والماليةِ في الداخلِ.

 

ومع ذلكَ، تكررتْ عملياتُ الدمجِ والفصلِ بين الاقتصادِ والتجارةِ، ثمَّ التجارةِ والصناعةِ، ثمَّ الاستثمارِ والتجارةِ الخارجيةِ، وأحيانًا الارتباطِ بالماليةِ أو التموينِ. لم تكنْ هذهِ التحولاتُ محايدةً؛ فقد تركتْ أثرًا مباشرًا في استقرارِ الكوادرِ، واتساقِ الإجراءاتِ، ونتائجِ الميزانِ التجاريِّ.

 

منذُ منتصفِ الثمانينياتِ كانتِ التجارةُ الخارجيةُ تُدارُ غالبًا ضمنَ حقيبةِ الاقتصادِ والتجارةِ الخارجيةِ، بينما بقيتِ التجارةُ الداخليةُ أقربَ إلى التموينِ. وفي عام 2004 دُمجتِ التجارةُ والصناعةُ في وزارةٍ واحدةٍ، في مرحلةٍ اقترنتْ بتوسعٍ نسبيٍّ في الانفتاحِ التجاريِّ.

 

ثمَّ تعددتِ الصيغُ بعدَ 2011: تارةً تجارةً وصناعةً، وتارةً استثمارًا منفصلًا أو ملحقًا برئاسةِ الوزراءِ، حتى أُعيدَ في يوليو 2024 جمعُ الاستثمارِ مع التجارةِ الخارجيةِ، وفصلُ الصناعةِ ودمجُها مع النقلِ. هذا التقلبُ جعلَ الجهةَ المسؤولةَ عن الرسومِ الجمركيةِ، واتفاقياتِ التجارةِ، وبرامجِ ردِّ الأعباءِ، والرقابةِ النوعيةِ، والمعارضِ، لا تستقرُّ طويلًا تحتَ سقفٍ واحدٍ مع الجهةِ المسؤولةِ عن الإنتاجِ الصناعيِّ أو جذبِ الاستثمارِ. 

النتيجةُ المؤسسيةُ معروفةٌ: تآكلُ الذاكرةِ التنظيميةِ، وتشتتُ المجالسِ التصديريةِ والهيئاتِ التابعةِ، وازدواجُ القراراتِ بين مَن يخططُ للصناعةِ ومَن يملكُ أدواتِ السوقِ.

 

الأرقامُ تكشفُ حجمَ الفجوةِ بين الإمكاناتِ والنتيجةِ. صادراتُ السلعِ المصريةِ كانتْ في حدودِ 3 إلى 4 مليار دولارٍ في منتصفِ الثمانينياتِ، ثمَّ تراوحتْ حولَ 5 إلى 7 ملياراتٍ مع مطلعِ الألفيةِ. بلغتْ نحوَ 26 مليارًا في عام 2008، وقرابةَ 30 مليارًا في عام 2011، قبلَ أن تهبطَ إلى نحوَ 21 مليارًا في عام 2015 ثم عادتْ إلى نحوَ 29 مليارًا في 2020، ثمَّ قفزتْ إلى أكثرَ من 52 مليارًا في عام 2020 بفعلِ أسعارِ الطاقةِ، قبلَ أن تستقرَّ السلعُ في 2024 بين 45 و45,3 مليارَ دولارٍ، وترتفعَ في عام 2025 إلى نحوَ 51,4 مليارَ دولارٍ للسلعِ، منها صادراتٌ غيرُ بتروليةٍ قاربتْ 48,5 مليارَ دولارٍ. 

 

أمَّا صادراتُ السلعِ والخدماتِ فقد تجاوزتْ 70 مليارَ دولارٍ في بعضِ السنواتِ الأخيرةِ. ورغمَ هذا الصعودِ الاسميِّ، بقيَ العجزُ التجاريُّ السلعيُّ ضخمًا: نحوَ 41 مليارَ دولارٍ في عام 2020، وقرابةَ 50 مليارًا في عام 2024، مع نسبةِ تغطيةٍ للوارداتِ تدورُ غالبًا بين 47٪ و54٪. والمستهدفُ الرسميُّ 145 مليارَ دولارٍ صادراتٍ سلعيةٍ بحلولِ عام 2030 يعني مضاعفةَ الأداءِ بوتيرةٍ لا تتحققُ بإعادةِ تسميةِ الحقائبِ وحدَها.

 

الخسارةُ المفقودةُ على مدى أربعينَ عامًا ليستْ رقمًا واحدًا يمكنُ عزلُه بدقةٍ محاسبيةٍ، لكنَّها ظاهرةٌ في ثلاثةِ مؤشراتٍ: استمرارُ الاعتمادِ على خاماتٍ وطاقةٍ وذهبٍ في جزءٍ كبيرٍ من السلةِ التصديريةِ، وضعفُ نسبةِ المصنَّعاتِ عاليةِ التعقيدِ مقارنةً بدولٍ انطلقتْ من قاعدةٍ أصغرَ، وتكرارُ دوراتِ «فتحِ استيرادٍ ثمَّ تقييدِه» كلَّما ضغطَ العجزُ.

 

الفكرةُ الشائعةُ بأنَّ الحدَّ من الوارداتِ يحمي الميزانَ التجاريَّ أغفلتْ حقيقةً تشغيليةً: الاستيرادُ المنضبطُ لوارداتِ الإنتاجِ والسلعِ الوسيطةِ والتقنياتِ هو المدخلُ الأسرعُ لرفعِ القدرةِ التصديريةِ. كذلكَ فإنَّ انتظارَ اكتمالِ الصناعةِ ثمَّ «فتحِ» التجارةِ يعكسُ تسلسلًا معكوسًا؛ فالتوسعُ الخارجيُّ والمنافسةُ في الأسواقِ هما اللذانِ يفرضانِ على الصناعةِ معاييرَ الجودةِ والتكلفةِ والابتكارِ. 

التجارةُ الداخليةُ والخارجيةُ ليستا دائرتينِ منفصلتينِ: أسعارُ السوقِ المحليِّ، وسلاسلُ التوزيعِ، ومكافحةُ الممارساتِ الضارةِ، كلُّها تحددُ قدرةَ المنتجِ على الخروجِ إلى الخارجِ.

 

الدولُ المتقدمةُ التي حققتْ نتائجَ تصديريةً مستقرةً اختارتْ تماسكًا هيكليًّا لا تغيّرًا موسميًّا. في اليابانِ تجمعُ وزارةُ الاقتصادِ والتجارةِ والصناعةِ (METI) الصناعةَ والتجارةَ والطاقةَ والأمنَ الاقتصاديَّ، وتُسندُ الترويجَ إلى «جِترو». وفي كوريا الجنوبيةِ تتولى وزارةُ التجارةِ والصناعةِ والطاقةِ (MOTIE) السياسةَ الصناعيةَ والتجاريةَ معًا. 

 

وفي سنغافورةَ تديرُ وزارةُ التجارةِ والصناعةِ منذُ عام 1979 منظومةً واحدةً تشملُ مجلسَ التنميةِ الاقتصاديةِ وهيئةَ المنشآتِ. وفي ألمانيا تتولى الوزارةُ الاتحاديةُ للشؤونِ الاقتصاديةِ السياسةَ الصناعيةَ والتجاريةَ، بينما تتخصصُ «ألمانيا للتجارةِ والاستثمارِ» في الترويجِ المنسقِ. 

 

أمَّا الولاياتُ المتحدةُ فتفصلُ وزارةَ التجارةِ عن مكتبِ الممثلِ التجاريِّ (USTR) لكنَّها تُبقي تنسيقًا صارمًا مع الخارجيةِ والماليةِ والجماركِ. القاسمُ المشتركُ ليسَ «وزارةً واحدةً بأيِّ ثمنٍ»، بل ثباتُ الاختصاصِ، وربطُ أدواتِ الحمايةِ المشروعةِ بالهدفِ التصديريِّ، ومنعُ تشتِ الكوادرِ بين حقائبَ تُعادُ تسميتُها كلَّ دورةٍ سياسيةٍ.

 

ما يحتاجُه القطاعُ في مصرَ ليسَ جولةَ دمجٍ إضافيةٍ بقدرِ ما يحتاجُ عقدًا مؤسسيًّا واضحًا: وحدةُ قيادةٍ لملفاتِ التجارةِ الداخليةِ والخارجيةِ والمعالجاتِ والاتفاقياتِ وتنميةِ الصادراتِ والرقابةِ والمعارضِ، مع ارتباطٍ تشغيليٍّ يوميٍّ بالجماركِ والماليةِ، وتنسيقٍ دائمٍ مع الخارجيةِ بوصفِها المظلةَ في الخارجِ، وربطٍ مباشرٍ مع الصناعةِ دونَ إذابةِ أحدِهما في الآخرِ بلا اختصاصٍ.

أربعونَ عامًا أثبتتْ أنَّ تعددَ الشركاءِ الاستراتيجيينَ ليسَ مبررًا للتشظي؛ بل هو سببٌ إضافيٌّ لبناءِ هيكلٍ متماسكٍ، لأنَّ أيَّ حلقةٍ ضعيفةٍ في السلسلةِ -من الجمركِ إلى المعرضِ إلى الاتفاقِ الدوليِّ- تُخصَمُ مباشرةً من رقمِ الصادرِات فقد أثبتتْ تجربةُ الأربعينَ عامًا الماضيةِ أنَّ تقلبَ الهيكلةِ الوزاريةِ للتجارةِ كانَ ثمنُه باهظًا. لم نجنِ من الدمجِ والفصلِ المتكررِ سوى تشتِ الخبراتِ وازدواجِ القراراتِ وتراجعِ القدرةِ على تحقيقِ هدفٍ تصديريٍّ واضحٍ.