فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الكوميديا الرديئة!

تُعرف الكوميديا بأنها فن درامي يهدف إلى إضحاك الجمهور وإدخال البهجة إلى نفوسهم من خلال المفارقات والمواقف الساخرة. والكوميديا نقيض التراجيديا، حيث تعتمد على خفة الظل والفكاهة.. تسعى الكوميديا الحقيقية إلى تسلية المشاهد ومعالجة القضايا بأسلوب مرح ينتهي بنهايات سعيدة أو رسائل ذات مغزى. كما تهدف الكوميديا إلى مهاجمة العادات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية بطريقة نقدية لاذعة.

خلال عقود ماضية.. ازدهر فن الكوميديا في مصر مسرحيًا وسينمائيًا، وتوهج عدد كبير من الفنانين الموهوبين الذين وظفوا موهبتهم لإضحاك الجمهور وإسعاده ومناقشة قضاياه ومشاكله المختلفة بأسلوك ضاحك يخلو من التدني والرداءة.

ولأن دوام الحال من المحال، ولأن لكل شيء إذا ما تم نقصانًا، وتحت وطأة الشللية وأشياء أخرى.. انطفأ بريق الكوميديا الحقيقية إلى حد التلاشي، وأصبح من رابع المستحيلات وخامسها أن تصادف عملًا كوميديًّا راقيًا، سينمائيًّا أو تليفزيونيًّا أو مسرحيًّا، يناقش همًّا اجتماعيًّا أو شأنًا أخلاقيًّا دون السقوط في فخ الإسفاف الذي يتفاقم حتى يصل إلى إهانة معتقدات وثوابت دينية.

أسهم في ذلك تسلل أشخاص يفتقدون إلى الحد الأدنى من خفة الظل إلى الساحة الكوميدية، وتقمصوا أدوارًا لا تناسبهم، فبقي حضورهم ثقيلًا سمجًا لا يُطاق، وهو ما أسهم تدريجيًا في تصحير فن الكوميديا على غرار الشوارع والميادين والحدائق التي جردتها الحكومة مؤخرًا من أعز ما تملك!

سوف أضرب لك الأمثال، بعيدًا عن الاسترسال أو الأحكام المعممة. شاهد الدقائق الأولى من فيلم "مستر إكس" -الذي أنتجته السينما المصرية عام 2023 ويقوم ببطولته ممثلون مصنفون كوميديانات- لترى بعينيك، وتسمع بأذنيك حشدًا من الإفيهات الإباحية المباشرة غير المبررة التي تشعرك بالخجل إذا كنت تشاهده منفردًا، فما بالك لو كنت بين أسرتك؟! وقس على هذا الفيلم أفلامًا ومسرحيات ومسلسلات أخرى!

هذه النوعية الرديئة من الأعمال الفنية اجتاحت الفن المصري في السنوات العشر الأخيرة، تحت ستار الكوميديا، وتفشت كما الوباء، وتوطنت واستوطنت وسيطرت في ظل غياب تام لرقابة المصنفات الفنية ولضمائر فنانين لا يخجلون من تقديم أي شيء تافه؛ بدعوى أن هذه هي الكوميديا الجديدة التي يجب أن تسود على ما سواها!

القائمون على هذه الصناعة المتهافتة ظنوا أن الإقبال على بضاعهم من فئات معينة شهادة نجاح لهم ولها؛ وهم بذلك مخطئون؛ لأن رواج المواد المخدرة -مثلًا- ليس دليلًا على جدواها، كما أن احتشاد الذباب حول القمامة ليس شهادة للأخيرة بأنها ذات مذاق طيب وشهي!

الكوميديا الرديئة -بما يتاح لها من منصات متعددة- أشد أثرًا من المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي، وأعظم ضررًا من الأدوية الفاسدة، وتداعياتها المستقبلية أكبر من أن يتم احتواؤها. كما إن التمكين لهذه النوعية من الأعمال المتدنية -شكلًا ومضمونًا- يعتبر إعلانًا للحرب على الفن الراقي الذي من شأنه أن يبني، لا أن يهدم وينزع ورقة التوت عما تبقى من بقايا أخلاق. 

الإسراف في إنتاج أعمال هابطة فنيًا، وغض الطرف عنها؛ بدعوى أنها كوميدية، بما تحمله من قبح متعدد الوجوه، يهدم كل ما تبذله الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة في بناء منظومة القيم الأخلاقية.

الكوميديا ليست إيفيهات إباحية، ولا إسقاطات ساقطة، ولا تلميحات متدنية، ولكنها فن راقٍ جدًا، من شأنه إدخال البهجة على النفوس المتعبة المرهقة تحت وطأة حكومة، قلوبها على الشعب كالحجارة، بل أشد قسوة، “وإن من الحجارة لما يتفجَّر مِنه الأَنهار، وإن منها لَمَا يشقَّقُ فيَخرُجُ مِنه المَاء، وإن مِنهَا لما يَهبِطُ مِن خشية اللَّه، وما اللَّه بغافِل عمَّا تعمَلون”.