فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

مهزلة اسمها الإدارة بالترند

“إن إهانة كرامة الإنسان هي أسوأ أنواع القتل، فالرصاصة تقتل الجسد، أما الإهانة فتقتل الروح”، وكأن الأديب العالمي ديستويفسكي كان يقرأ المستقبل في تعامل بعض المسؤولين في بلادنا، لا مع المواطنين الغلابة فحسب، بل مع الموظفين الغلابة أيضًا!

 

في شوارعنا الإدارية ومصالحنا الحكومية، لم يعد القتل يُمارس بالرصاص، بل عبر كاميرات الهواتف المحمولة وصفحات التواصل الاجتماعي، حيث تحول الموظف البسيط إلى كبش فداء يذبحه المسؤولون لامتصاص غضب الجماهير وإثبات الحزم المزعوم.


هذه الظاهرة التي تُعرف أكاديميًا وإعلاميًا بـ الإدارة بالترند Management by Trend باتت وباءً ينهش ما تبقى من كرامة الموظف المصري، وتدمر العقد النفسي الذي يربطه بدولته، لتستبدل الرقابة الداعمة باستعراض سلطوي بائس.

 

ومع انطلاق ماراثون العام الدراسي الجديد، تجسدت هذه المأساة بوضوح فج ومؤلم في مدرسة "الشهيد أحمد سمير" بقرية كفر الجزار التابعة لمدينة بنها.
 

هناك، قرر محافظ القليوبية ممارسة هذا الاستعراض بتوبيخ مديرة المدرسة، صالحة أبو الفضل، بلهجة قاسية أمام الكاميرات متذرعًا بسوء النظافة وتأخر الصيانة. لكن المديرة الشجاعة لم تنحنِ للعاصفة، بل كشفت عورة اللامركزية المالية المشوهة، وقدمت مستندات تثبت إنفاقها على مسؤليتها لتوصيل الكهرباء والمرافق للمدرسة، بعد أن سدت الإدارة التعليمية كل الأبواب بحجة مفيش فلوس.

 

والمفارقة المؤلمة أن المحافظ، الذي حاول في البداية تسخيف روايتها بعبارة "بلاش كلام ميدخلش عقل عيل صغير"، لم يتراجع حين لجمته الفواتير التي أثبتت أنها تشتري ستر المرفق العام وتداري سوءات الحكومة من قوت يومها.


بل شهدنا اليوم فصلًا جديدًا من فصول الغطرسة الإدارية؛ فبدلًا من أن ينحني احترامًا لمعلمة فاضلة اقتطعت من قوت أولادها لتستر عورة منظومته المتهالكة، وبدلًا من أن يوجه لها كلمة شكر تجبر خاطرها المكسور، اختار طريق الانتقام والتشكيك في روايتها الموثقة! 

وما زاد المشهد عبثية، تلك المعلومة الدقيقة التي التقطتها الأعين، حيث تبين أن السيد المحافظ كان يثبت "مايك" صوت احترافي في سترته، في إثبات قاطع على أن الجولة لم تكن عملًا رقابيًا مفاجئًا، بل "أوردر تصوير" معد سلفًا ومجهز بأدوات احترافية لصناعة الترند على حساب كرامة الموظفين.


هذا التعنت الإداري المستفز أشعل غضبًا شعبيًا واسعًا واستهجانًا عبر وسائل التواصل، حيث التفت الجماهير حول مديرتهم الشجاعة، رافضين تحويل التضحية الإنسانية النبيلة إلى مادة للتشهير وتصفية الحسابات. هذه الواقعة ليست نشازًا، بل هي حلقة في مسلسل مستمر من الإدارة بالعافية التي تعدت الإهانة لتكون سببًا في إنهاء حياة البعض.


ولا يمكن أن ننسى مأساة أبريل 2025، حين مارس وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، قهرًا وظيفيًا وتوبيخًا شديدًا ضد الأستاذ أسامة البسيوني، مدير إدارة الباجور التعليمية، والذي لم يحتمل قلبه الإهانة العلنية فلفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بأزمة قلبية حادة، تاركًا وراءه غضبًا برلمانيًا وتعليميًا واسعًا. 

 

وقبلها في يوليو 2024، اقتحم محافظ سوهاج، عبد الفتاح سراج، مستشفى المراغة ليهاجم طبيبة الاستقبال سمر أنور بعبارات مهينة مثل "معندكيش ضمير.. مفيش إحساس"، فقط لأنها طبقت اللوائح. يومها، ثار المجتمع، وتدخل رئيس الوزراء شخصيًا معتذرًا للطبيبة بعبارة "حقك عليا"، وغيرها عشرات الحالات التي خرجت للعلن، وأضعافًا مضاعفة لم يرها الناس.

 

أمام هذا العبث المستمر، انفجر الشارع المصري مؤخرًا عبر هاشتاج وموجة غضب عارمة تحت شعار أوقفوا المهزلة، رافضًا تحويل صغار الموظفين والمعلمين والأطباء إلى منصات لصناعة البطولات الزائفة.


الغريب أن هذا التعنيف العشوائي يخالف صميم قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، وتحديدًا المادة 59 التي تمنع توقيع أي جزاء دون تحقيق كتابي يكفل للموظف حق الدفاع عن نفسه. بل إن المشرع المصري وافق في 2024 مبدئيًا على تغليظ عقوبة إهانة الموظف العام لتصل إلى الحبس 7 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه.

 

إن غياب الموارد والبطء في صرف سلفيات المدارس والمستشفيات يخلق حالة من الرعب المالي لدى القيادات الصغرى. فالمسؤول الذي يصطحب طاقم تصويره لتعنيف موظف مقهور، إنما يمارس تكتيك إزاحة اللوم ويتهرب من مسؤوليته الحقيقية في تذليل العقبات البيروقراطية وتوفير الميزانيات.

أوقفوا هذه المهزلة؛ فالإدارة الرشيدة لا تُبنى على التشهير واغتيال كرامة الموظفين وإرهابهم، بل على الدعم، والتمكين، واحترام آدمية من يدفعون من جيوبهم وأعمارهم لستر عورات مؤسسات باتت تلفظ أنفاسها الإدارية الأخيرة. لدي عشرات القصص لمدرسات ومدرسين وموظفين يعانون بقسوة واقعًا مؤلمًا، فأوقفوا قتلهم بترينداتكم المزيفة، يا مسؤولين فشلتم حتى في إدارة الترند.