مصر محتاجة رئيس وزراء صيني!
غادر الرئيس الصيني شي جين بينج مصر.. كانت زيارة مهمة بكل المقاييس، لكن بصراحة وأنا أشاهد مراسم الاستقبال خطر لي سؤال خبيث: هو ينفع الرئيس الصيني يسيب لنا رئيس وزرائه والمجموعة الاقتصادية بتاعته كام يوم؟ مش علشان يحكمونا.. لا سمح الله! إحنا عندنا حكومة، وعندنا وزراء، وعندنا اجتماعات، وعندنا لجان، وعندنا خطط، وعندنا استراتيجيات.. ناقصنا بس النتائج!
لكن يمكن رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ وفريقه الاقتصادي يساعدونا في فك اللغز المصري العظيم: إزاي بلد عندها قناة السويس، وموانئ، وموقع جغرافي لا يتكرر، وسوق يضم أكثر من مائة مليون مواطن، وأيدي عاملة وشباب، وأراضٍ ومصانع، ومع ذلك تقضي جزءًا كبيرًا من وقتها وهي تبحث عن الدولار وتطارد الأسعار وتحاول تدبير احتياجاتها؟
الصينيون عندهم مشكلة مختلفة تمامًا: كيف ننتج أكثر؟ وكيف نصدر أكثر؟ أما نحن فعندنا السؤال الأصعب: كيف نحل مشكلة اليوم قبل ما تيجي مشكلة بكرة؟
لدينا صناعة تحتاج إلى أن تنطلق، وزراعة تحتاج إلى قيمة مضافة، وصادرات نريد زيادتها، واستثمار نريد جذبه، وسياحة نريد مضاعفتها، وشباب نريد تشغيله، وبيروقراطية نريد تخفيفها، وإجراءات نريد تبسيطها، وتكلفة إنتاج نريد خفضها.
والمشكلة أن كل ملف من هذه الملفات ماسك في رقبة الملف الآخر! نريد زيادة الصادرات، لكن تكلفة الإنتاج مرتفعة. نريد خفض تكلفة الإنتاج، لكن جزءًا من مستلزمات الإنتاج مستورد. نريد تقليل الاستيراد، لكننا نحتاج مستلزمات الإنتاج. نريد الدولار، فنبحث عن التصدير والسياحة والاستثمار. ونظل ندور في الدائرة نفسها وكأن الاقتصاد المصري دخل دوّامة ونسينا نطلعه منها!
وهنا بالضبط يمكن أن نتعلم من الصين. ليس المطلوب أن نقلد الصين، فلكل دولة ظروفها، وإنما أن نتعلم كيف تحولت من دولة تبحث عن مكانها في الاقتصاد العالمي إلى واحدة من أكبر القوى الصناعية والتصديرية فيه.
نحن لا نحتاج من الصين مزيدًا من المنتجات فقط.. نحتاج مصانع تنتج في مصر، وتكنولوجيا تنتقل إلى مصر، وشركات مصرية تدخل سلاسل الإنتاج، ومنتجًا مصريًا يجد طريقه إلى السوق الصينية.
هذه هي الصفقة التي تستحق أن نحلم بها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول مصر إلى سوق ضخمة للمنتج الصيني، بينما يظل المنتج المصري واقفًا أمام باب التصدير يسأل: هو الدور عليّا إمتى؟
زيارة الرئيس الصيني فرصة حقيقية، لكن قيمتها لن تقاس بعدد الاتفاقيات ولا بصور التوقيع. قيمتها ستظهر عندما نسأل بعد انتهاء الزيارة: ماذا أنتجنا؟ ماذا صدرنا؟ كم مصنعًا بدأ؟ كم تكنولوجيا انتقلت؟ وكم فرصة عمل تحققت؟
أما اقتراح استعارة رئيس الوزراء الصيني والمجموعة الاقتصادية، فأنا لا أمزح تمامًا!
يمكن الرجل يأتي، “يبص” على الملفات، يسمع الحكاية من أولها، ويسألنا السؤال الذي ربما نحتاج أن نسمعه أكثر من أي وقت مضى: «إنتوا عندكم كل الإمكانيات دي.. ولسه مستنيين إيه علشان تنتجوا؟» ساعتها فقط قد نكتشف أن المشكلة لم تكن يومًا في قلة الإمكانيات.. المشكلة كانت في كيفية إدارتها.