ويل لأولياء الأمور من شر قد اقترب!
مصاريف مدارس وجامعات، وأدوات دراسية وكتب خارجية وسبلايز، وملابس وأحذية ودروس خصوصية. وقعت الواقعة. لا يكره أولياء الأمور شهرًا مثل سبتمبر. في هذا الشهر تُفرغ الجيوب، ويُستنزف المال، وتكثُر القروض، وتزداد الذنوب، ويراكم الآباء أحزانهم، فويل لهم من شر قد اقترب.
كل شيء يبدو ضد المنطق السديد. أسعار جنونية تتحدى العقل الرشيد. بعض الآباء يفكرون في الاختفاء خلال هذا الشهر إلى أجل مسمى أو غير مسمى، ولكنهم سرعان ما يتراجعون؛ لأنهم هم مَن سيدفعون الفواتير كلها في النهاية!
سقطت أسطورة التعليم كالماء والهواء، بل أصبح أغلى كثيرًا من كهرباء العدادات الكودية وقطع غيار السيارات الألمانية. مجانية التعليم صارت أثرًا بعد عين. ليس كل ما ينص عليه الدستور واقعًا لا محالة. التعليم صار معضلة العصر، ومحنة الزمان، لا يقدر عليهما سوى أولي العزم من الآباء المحظوظين. التعليم الحكومي مغامرة غير محسوبة، والتعليم الخاص بأنواعه مغامرة محفوفة بالمخاطر والمديونيات.
لم يحظ التعليم الحكومي خلال السنوات الماضية باهتمام حقيقي يتمثل في التوسع في بناء المدارس، وتخفيض كثافة الفصول، والارتقاء بالخدمة التعليمية ورفع مستواها. الاهتمام الرسمي أخطأ طريقه، وطال الحجر بتنويعاته المختلفة. ما أسعد الأحجار، لا البشر، في هذا الزمان.
الدول -التي صنعت طفرة حقيقية في وقت قياسي- كان التعليم على رأس أولوياتها وليس في آخرها أو خارجها. لا تؤمن الحكومة بفقه الأولويات، ولا تضعه في اعتبارها، ولا تُلقي له بالًا. لو خصصت الحكومة جزءًا من إنفاقها السخي على ملفات أقل أهمية للإنفاق على التعليم والصحة مثلاً، لكان خيرًا لها وللأجيال المقبلة. هذا العجز الحكومي الممتد يدفع فاتورته أولياء الأمور. ليس عليهم إلا أن يدفعوا عن يد وهم صاغرون.
في المقابل.. استغلت مافيا التعليم الخاص هذه الفجوة المتسعة، وضاعفت نشاطها، وتوغلت أكثر، وغالت واستطالت في أسعارها. يتعامل التعليم الخاص مع التعليم، ليس باعتباره رسالة إنسانية وهدفًا نبيلًا، ولكن باعتباره أسهل وسيلة للحصول على المال. أرقام خزعبلية لا تناسب الخدمة التعليمية المقدمة التي لن تغنيك عن الدروس الخصوصية؛ فصلًا عن افتكاسات منتظمة وممنهجة، لا هدف لها ومنها إلا استنزافك لآخر جنيه، ومضاعفة ديونك!
يبقى ولي الأمر بين نارين: إما تعليم حكومي بكل سوءاته ومساوئه، وإما تعليم خاص يتعامل معه باعتباره فريسة وغنيمة، ما يدفعه إلى الاقتراض والاستدانة المفتوحة على طريقة الحكومة، ومَن شابه حكومته فما ظلم!