السريا الصفرا.. بعشرة جنيه
في الثمانينيات من القرن التاسع عشر اندلع حريق في قصر أحد الأمراء في منطقة العباسية -المنطقة المحببة لأمراء تلك الأيام لهدوئها ونقاء هوائها- أتى الحريق على مباني القصر كلها عدا مبنى صغير مكون من طابقين طُلي باللون الأصفر، وفي عام 1883 استخدم هذا المبنى كأول مستشفى للأمراض النفسية والعصبية والتي أصبحت الآن العباسية.
وحقيقة إذا تمعن كل منا في تكوينه النفسي بصدق سنجد أن من يدعى السواء النفسي الكامل، أو أن لديه سلام نفسي دائم فعليه مراجعة طبيب في أقرب وقت، لأن الحياة بتفاصيلها الخانقه وبثقل أيامها وقسوة أعبائها جعلتنا جميعا نستفيق على صوتنا ونحن نحاور أنفسنا، وهو مشهد طال الكثير منا نلحظه أكثر عند سيرنا في أي شارع، وإن لم نكلم أنفسنا فتكسو وجوهنا ملامح من غيم الهموم.
حالة تجعلنا نقترب بخطوات قليلة من السير في الطرقات وبيد كل منا مبخرة وفي رقابنا مجموعة من السبح بألوان وأطوال مختلفة ونحن نصيح حييييييي.
ولكن علينا ألا ننزعج بعد رسالة الطمأنه التي أرسلها لنا الأستاذ الدكتور مدير مستشفى العباسية في برنامج على إحدى القنوات الخاصة، لا أعرف مقدمه، ولا لماذا يقدمه، أو لماذا يعمل مذيعًا من الأساس، وهل هو مقتنع بأن ما يقدمه ليس إعلاما ولا مهنيًا، وأكثر ما لفت نظري في اللقاء هو أن المذيع إذا أراد الإشارة إلى مكان أشار بالمايك الحائر بين يده ويد ضيفه.
قال الدكتور المدير في هذه التصريحات التي نشرتها أيضا بعض المواقع، إن تكلفة الكشف والعلاج في العيادات الخارجية بالمستشفى لا يتجاوز العشرة جنيهات، يعني أرخص من أجرة أتوبيس هيئة النقل العام الذي سينقلك إلى هناك، وأقل بكثير من ثمن “سندوتش” الفول من عربية الفول الموجودة على ناصية شارع كريم الدولة في وسط البلد -الفول هناك عبقري الصراحة-.
وأضاف الدكتور المدير أنه تم تخصيص 25% من الأسرة داخل المستشفى للإقامة المجانية بالكامل، يعني مالناش حجة، آكلين شاربين متعالجين ببلاش.. لكنه في الواقع لم يذكر لنا العدد الكلي للأسرة حتى نعرف إن كان سيكفينا أم لا؟ ولا نواقص الأدوية أو إذا ما كان هناك عجز في الأطقم الطبية أم وصلوا لحالة الإكتفاء؟
ولكن الرقم المفزع حقيقة هو عدد مرتادي العيادات الخارجية يوميًا والذي يتراوح ما بين 400 إلى 500 مريض يعني تقريبًا 15000 مريض شهري، ما بين نفسي وعصبي وإدمان، وهو أمر يستلزم تفسيرًا من أساتذة علم النفس، وإن كنت أتمنى أن يكون الرقم مبالغًا فيه أو يكون دعاية لحسن الإدارة وجودة الخدمة أم عشرة جنيه.