فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

إبراهيم سالم محمدين وأحمد عز (3/3)

مرارة الخروج وصمت الكبرياء.. الرواية التي سمعتها من جدي

"بعض الرجال لا تؤلمهم خسارة المناصب بقدر ما يؤلمهم أن يغادروا المشروع الذي أعطوه سنوات عمرهم"..

أنا حفيد المهندس إبراهيم سالم محمدين. وخلال كتابة هذه السلسلة حاولت أن ألتزم بقاعدة بسيطة: ما تقوله الوثائق أذكره بوصفه وثيقة. وما تقوله الشهادات أذكره بوصفه شهادة. وما سمعته من جدي أذكره بوصفه رواية صاحبه.

 

الجزء الأول كان عن الدخيلة قبل عام 2000. والجزء الثاني كان عن استقالة إبراهيم سالم محمدين وروايته لما حدث بعد دخوله في الخلاف حول مستقبل الشركة. أما هذا الجزء فمختلف. لأنه لا يتحدث فقط عن الأسهم أو القضايا أو هياكل الملكية. بل عن الإنسان نفسه. عن الرجل الذي عاش سنوات طويلة داخل المشروع، ثم وجد نفسه بعيدًا عنه.

 لم يكن يفكر في الرحيل

الصورة التي بقيت في ذهني عن جدي لم تكن صورة رجل يستعد للتقاعد. كان قد تجاوز الثمانين من عمره. لكن ما سمعته منه طوال سنوات كان شيئًا آخر. كان يتحدث عن مشروع الصلب المسطح.

وعن خطط التوسع. وعن المستقبل. وعن خطوات جديدة كان يريد إضافتها إلى الدخيلة. ولم يكن يتحدث كرجل انتهت رحلته المهنية. بل كرجل ما زال يرى أن لديه ما يقدمه.

كما رواها لي

ما سأقوله هنا ليس وثيقة رسمية، ولا حكمًا تاريخيًا نهائيًا. إنها الرواية التي سمعتها من جدي نفسه. كان يرى أن الدخيلة تحتاج إلى تمويل كبير لمشروعات التوسع الجديدة.

وكان يفضل أن يأتي التمويل من خلال جهات ومؤسسات عامة قائمة بالفعل ضمن هيكل المساهمين. وكان يعتقد أن هناك بدائل أخرى مطروحة. لكن الدولة اتجهت إلى مسار مختلف.

وكان مقتنعًا بأن حكومة الدكتور عاطف عبيد دفعت في اتجاه دخول أحمد عز باعتباره المستثمر القادر على توفير التمويل المطلوب. وكان يرى أنه وافق على ذلك لأنه أراد استمرار المشروع وتنفيذ التوسعات التي حلم بها.

كما كان يعتقد أنه سيظل قادرًا على قيادة الشركة وإدارة هذا المشروع. لكن الأمور، من وجهة نظره، لم تتطور بالطريقة التي توقعها.

عندما شعر أن الأمور تتغير

كان جدي يروي أن المشكلة بالنسبة إليه لم تكن في دخول مساهم جديد. بل في شعوره بأن موازين القوة داخل الشركة بدأت تتغير. وأن القرار لم يعد في يده كما كان من قبل.

وكان يعتبر أن نقطة التحول الحقيقية لم تكن دخول المستثمر، بل فقدان السيطرة على المسار الذي أراد للشركة أن تسير فيه.. هذه كانت روايته. وأترك تقييمها ومقارنتها ببقية الروايات والوثائق للباحثين والقارئ.

 أثرٌ باقٍ في المكان

بعيدًا عن الاجتماعات والمحاضر وأوراق القضايا، توجد أشياء أبسط بكثير. ومن أكثر الأشياء التي أثرت فيَّ خلال هذا البحث صورة لوحة افتتاح مسجد المدينة بالدخيلة.

اللوحة تحمل تاريخ 31 مايو 1985. وقد تبدو للوهلة الأولى مجرد لوحة قديمة. لكنها بالنسبة لي وثيقة من نوع آخر. تقول إن الدخيلة لم تكن مجرد شركة لإنتاج الحديد. بل مجتمعًا كاملًا أخذ يتشكل حول مشروع صناعي كبير.

كان هناك عمال وأسر ومساكن وخدمات ومؤسسات اجتماعية ودينية. وكان هناك جيل من المؤسسين يرى أن بناء المصنع لا ينفصل عن بناء المجتمع المحيط به.

 شهادة من داخل المكان

ومن الشهادات التي لفتت انتباهي شهادة الشيخ مصطفى حسين، شيخ المسجد، الذي تحدث عن الدور الذي لعبه المسجد داخل مجتمع الدخيلة، وعن ارتباط إنشائه بفترة إدارة المهندس إبراهيم سالم محمدين للمشروع.

ولا أتعامل مع هذه الشهادة باعتبارها دليلًا قانونيًا على كل شيء. لكنها شهادة إنسانية مهمة. شهادة تذكرنا بأن المؤسسات ليست حسابات مالية فقط. وليست مجالس إدارة فقط. بل حياة كاملة يعيشها الناس داخل المكان.

 أحد عشر عامًا من الصمت

بعد خروجه من الدخيلة عام 2000، اختفى إبراهيم سالم محمدين تقريبًا من المشهد العام. لم يخض معارك إعلامية. ولم يكتب مذكرات سياسية. ولم يظهر يوميًا على الشاشات. صمت سنوات طويلة.

وقد يفسر كل شخص هذا الصمت بطريقته.أما أنا فلا أملك تفسيرًا قاطعًا. كل ما أستطيع قوله إن الرجل اختار ألا يجعل خلافه مع الشركة أو مع من جاءوا بعده معركة علنية.

 المفارقة المؤلمة

ثم جاءت ثورة يناير 2011. وعادت قصة الدخيلة إلى الواجهة من جديد. وفجأة عاد اسم إبراهيم سالم محمدين إلى المشهد. لكن ليس بوصفه مؤسسًا أو رئيسًا سابقًا للشركة. بل بوصفه أحد الأسماء الواردة في القضية. وهنا كانت المفارقة التي لم أفهمها يومها.

الرجل الذي كان يحدثني عن سنوات البناء والتأسيس وجد نفسه يُذكر أمام أجيال جديدة في سياق مختلف تمامًا. وكأن تاريخًا طويلًا اختُصر فجأة في الصفحة الأخيرة فقط.

 لماذا أكتب؟

لا أكتب لأدين أحمد عز. ولا أكتب لأعيد محاكمة مرحلة سياسية كاملة. ولا أزعم أنني أملك الحقيقة النهائية. أكتب فقط لأنني لا أريد أن تضيع الذاكرة. وأعتقد أن من حق أي مؤسسة كبيرة أن يُروى تاريخها كاملًا. ومن حق من شاركوا في تأسيسها أن يُذكروا عندما تُروى قصتها.

 الخاتمة

ما كتبته هنا ليس حكمًا نهائيًا على ما جرى في الدخيلة. وليس محاولة لفرض رواية واحدة على القارئ. إنه ببساطة ما سمعته من جدي. سمعته من رجل قضى سنوات طويلة من عمره داخل هذا المشروع، وخرج منه وهو يحمل رؤيته الخاصة لما حدث.

قد يختلف معه آخرون. وقد تكشف الوثائق مستقبلًا تفاصيل جديدة. لكن تبقى هناك حقيقة لا خلاف عليها: قبل أن تصبح الدخيلة اسمًا يرتبط بالأسهم والصراعات والقضايا، كان هناك رجال بنوا المصنع، وأداروه، وحلموا بتوسيعه. 
وكان إبراهيم سالم محمدين واحدًا من هؤلاء. ولهذا أكتب. ليس لكي أطلب من التاريخ أن يجامل جدي. بل لكي أطلب منه فقط ألا ينساه.