فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أحقر تجارة في العالم

هناك تجارات كثيرة في العالم يمكن فهم منطقها، حتى لو اختلفنا معها مثل تاجر يبيع العقارات، وآخر يبيع السيارات، وثالث يتاجر في الذهب أو الملابس أو الأجهزة، ولكل تجارة سلعة، ولكل سلعة سعر، ولكل عملية بيع وشراء طرفان يعرفان ما الذي يدفعانه وما الذي يحصلان عليه. لكن هناك تجارة مختلفة تماما..


تجارة لا تكون السلعة فيها عقارا ولا سيارة ولا ذهبا، وإنما الإنسان نفسه. والإنسان في الأصل يفترض أن يكون أكرم من أن يتحول إلى سلعة، وأغلى من أن يوضع له سعر في دفتر حسابات، ومع ذلك عرف التاريخ تجارة البشر بأشكال شديدة  القسوة، وما زالت هذه التجارة تظهر حتى اليوم بصور مختلفة، بعضها واضح ومباشر، وبعضها يرتدي ملابس أكثر أناقة حتى يكاد يصعب اكتشافه.


هناك من يتاجر في العمالة، فيستغل حاجة الإنسان إلى العمل، ويطلب منه المال مقابل وعد بوظيفة لا وجود لها.
وهناك من يتاجر بالمهاجرين، مستغلا خوفهم من المستقبل ورغبتهم في الوصول إلى حياة أكثر أمنا، فيحول حلمهم إلى رحلة من الابتزاز والاستغلال.


وهناك من يتاجر بالأطفال، وهي من أبشع صور استغلال الإنسان، لأن الطفل لا يملك في الغالب القدرة على الدفاع عن نفسه أو اتخاذ القرار، فيتحول ضعفه إلى فرصة للربح بالنسبة إلى من لا يرى في الآخرين سوى وسيلة للكسب.
لكن تجارة البشر في عصرنا لم تعد دائما بهذا الشكل التقليدي.


لقد ظهرت تجارة أكثر تعقيدا، وربما أكثر انتشارا، وهي تجارة الإنسان في صورته وحياته وخصوصيته وحكايته.
اليوم يستطيع شخص أن يبيع خصوصيته من أجل المشاهدات، وأن يبيع لحظة ضعفه من أجل التفاعل، وأن يحول أسرار أسرته إلى محتوى، وأن يجعل مرضه أو فقره أو مشكلاته الشخصية مادة تجذب الجمهور والإعلانات.


وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدا.. متى تتحول الحكاية الإنسانية إلى استغلال؟ ومتى يصبح نقل المعاناة توثيقا مشروعا، ومتى يتحول إلى تجارة في الألم؟ ومتى يكون التعاطف مع الإنسان مساعدة حقيقية، ومتى يصبح استثمارا في مأساته؟


المشكلة أن السوق الجديد لا يحتاج دائما إلى تاجر بالمعنى التقليدي. لا أحد يقف في شارع ويقول لدي إنسان للبيع.
يكفي أن يكون هناك شخص مستعد لدفع المال مقابل صورة أو فيديو أو قصة أو سر أو فضيحة، وشخص آخر مستعد لتقديم حياة إنسان باعتبارها منتجا قابلا للاستهلاك.


وهنا تصبح التكنولوجيا يا دوب أداة، بينما يبقى أصل المشكلة في الإنسان نفسه. فالذكاء الاصطناعي لم يخترع استغلال البشر، ووسائل التواصل الاجتماعي لم تخترع الجشع، والكاميرا لم تخترع الفضول. كل ما فعلته الأدوات الجديدة أنها جعلت هذه التجارة أسرع وأسهل وأوسع انتشارا.


في الماضي كان استغلال الإنسان يحتاج إلى شبكة من الأشخاص ومكان محدد وسوق واضح. أما اليوم فقد تبدأ العملية بمنشور على منصة اجتماعية وتنتهي بملايين المشاهدات. والأخطر أن الجمهور نفسه قد يتحول، من  دون أن يدرك، إلى شريك في هذه التجارة.
 

المشاهدة لها قيمة، والمشاركة لها قيمة، والتعليق الذي يزيد انتشار المحتوى له قيمة. وبالتالي فإن الشخص الذي يشاهد مقطعا بدافع الفضول قد لا يدرك أنه يساهم في استمرار سوق كامل قائم على تحويل حياة إنسان آخر إلى مادة للاستهلاك.


وهذا لا يعني أن كل قصة إنسانية يجب ألا تشر، أو أن كل شخص يتحدث عن معاناته هو ضحية، أو أن كل محتوى يتناول الفقر أو المرض أو الجريمة يمثل استغلالا.
 

المسألة أكثر تعقيدا من ذلك.. المعيار الحقيقي، في رأيي، يبدأ بسؤال بسيط، هل ما زال الإنسان الذي أمام الكاميرا إنسانا له كرامته وحقوقه، أم أصبح مجرد وسيلة للوصول إلى المشاهدات؟ الفرق بين الأمرين هائل، يمكنك أن تساعد إنسانا، ويمكنك في الوقت نفسه أن تستغل فقره.


يمكنك أن تحكي قصة طفل لإنقاذه، ويمكنك أيضا أن تحول الطفل إلى مادة لجذب المشاهدين. يمكنك أن تكشف جريمة لحماية الضحية، ويمكنك أيضا أن تعرض تفاصيل حياتها بطريقة تجعلها تعيش الجريمة مرة أخرى أمام ملايين الغرباء.


وهنا تظهر مسؤولية الصحفي وصانع المحتوى والمصور، بل ومسؤولية المستخدم العادي أيضا. فليس كل ما يمكن تصويره يجب أن نصوره، وليس كل ما نعرفه يجب أن ننشره، وليس كل إنسان ضعيف نقابله في الطريق يصبح من حقنا أن نحول حياته إلى مادة للاستهلاك العام.


أغرب ما في تجارة البشر أنها لا تحتاج  دائما إلى شخص شرير بالمعنى التقليدي. أحيانا يكفي شخص يريد أن يربح، وشخص آخر يريد أن يشاهد، ومنصة تريد زيادة وقت المستخدمين، وخوارزمية لا تعرف شيئا عن الرحمة أو الكرامة.

وهكذا يصبح الإنسان سلعة من دون أن يعلن أحد افتتاح سوق جديد. المشكلة في النهاية ليست فقط أن هناك من يتاجر بالبشر، المشكلة الأكبر أننا قد نساعده على ذلك من دون أن نشعر. فالإنسان حين يتحول إلى رقم في قائمة المشاهدات، أو قيمة في إعلان، أو موضوع للترند، أو مادة للجدل، نكون قد قطعنا خطوة خطيرة جدا.

خطوة يصبح فيها الإنسان أقل أهمية من قصته، وكرامته أقل قيمة من انتشار صورته. وربما يكون السؤال الأخطر في زمن وسائل التواصل الاجتماعي ليس ماذا نملك لكي نبيعه؟ بل إلى أي حد يمكن أن نبع من أنفسنا، ومن حياة الآخرين، قبل أن نكتشف أننا لم نعد نتعامل مع البشر باعتبارهم بشرا؟