وزير الصناعة.. واقعية ورؤية واعدة (2-2)
تحدثنا أمس عن تصريح وزير الصناعة المهندس خالد هاشم الذي وضع رقم الـ100 مليار دولار على الطاولة، واليوم نقول إن الأهم من الرقم هو أن نعرف: كيف نصل إليه؟ وكيف نحول هذا الهدف من مجرد طموح تصديري إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الصناعة المصرية؟
المعادلة في حقيقتها ليست معقدة: مصر لا تحتاج إلى مزيد من الموارد بقدر ما تحتاج إلى حسن إدارة مواردها. فما نملكه من موقع وسوق وموانئ وموارد وقوة بشرية كفيل بأن يجعل الصناعة أحد أكبر محركات الاقتصاد، بشرط أن ننتقل من إدارة المشكلات إلى صناعة الحلول.
والبداية يجب أن تكون من تعميق التصنيع المحلي. لا معنى لأن نضاعف الصادرات بينما تزداد معها فاتورة استيراد المكونات ومدخلات الإنتاج. المطلوب أن يصبح كل مصنع نواة لسلسلة صناعية كاملة: منتج نهائي، ومكونات محلية، وموردون محليون، ومراكز بحث وتطوير، وعمالة مصرية ماهرة.
وهنا تتحول الـ100 مليار دولار من رقم مستهدف إلى قيمة مضافة مصرية. ولذلك ينبغي أن نحدد الصناعات التي نملك فيها مزايا نسبية حقيقية، وأن نركز عليها بدل تشتيت الموارد. لكل محافظة ميزة نسبية يمكن البناء عليها؛ من الزراعة والصناعات الغذائية إلى الغزل والنسيج، والهندسية، والدوائية، والكيماوية، والبتروكيماوية، والطاقة، واللوجستيات. المطلوب خريطة صناعية واضحة تقول لكل محافظة: ماذا ننتج؟ ولماذا هنا؟ ولأي سوق؟
ومن هنا تأتي ضرورة تمكين المحافظين بصلاحيات حقيقية، مع محاسبتهم على النتائج. لا يمكن أن نطلب من مسؤول جذب الاستثمار ثم نتركه أسير عشرات الموافقات المركزية. نحتاج إلى إدارة محلية اقتصادية قادرة على اتخاذ القرار، ومؤشرات أداء تقيس عدد المصانع، وحجم الاستثمارات، وفرص العمل، وقيمة الصادرات.
المعركة الأهم مع البيروقراطية
المستثمر لا ينبغي أن يتحول إلى ساعي بريد بين الوزارات والهيئات. المطلوب شباك واحد حقيقي، ومنصة إلكترونية موحدة، ومدة زمنية محددة لكل إجراء، بحيث يعرف المستثمر منذ اللحظة الأولى ما المطلوب منه ومتى يحصل على الموافقة. فالاستثمار لا يحب الغموض، والصناعة لا تنتظر.
أما التعليم، فهو الحلقة التي لا يجوز القفز فوقها. لا يمكن أن نريد صناعة تكنولوجية حديثة بتعليم ينتج أعدادًا من الخريجين أكثر مما ينتج مهارات. المطلوب ربط التعليم الفني والجامعي بالمصانع، وتحويل البحث العلمي إلى منتجات، وتشجيع الابتكار، وفتح أبواب الجامعات أمام الصناعة، بحيث يصبح المصنع شريكًا في تحديد ما يحتاجه التعليم، لا مجرد متلقٍ لخريجيه.
ويأتي بعد ذلك دور المكاتب التجارية المصرية في الخارج. فمهمتها الحقيقية يجب أن تكون فتح الأسواق لا مجرد تمثيل مصر فيها. كل مكتب تجاري يجب أن يعرف ماذا يحتاج السوق الموجود فيه، ومن هم المشترون، وما المنتجات التي يمكن لمصر تصنيعها وتصديرها، ثم ينقل هذه المعلومات مباشرة إلى المصنع المصري.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من سؤال: ماذا نريد أن نصدر؟ إلى سؤال أكثر ذكاءً: ماذا يريد العالم أن يشتري، وماذا نستطيع أن نصنعه؟
كما أن اختيار القيادات الاقتصادية يجب أن يقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز. فالمشروع الصناعي لا يحتمل إدارة تقليدية أو قرارات بطيئة. نحن بحاجة إلى عقلية تقيس النجاح بالأرقام: مصنع جديد، فرصة عمل جديدة، مكون محلي أعلى، صادرات أكبر، واردات أقل، وقيمة مضافة أعلى.
وهنا تتكامل رؤية وزير الصناعة مع القراءة الاقتصادية التي طرحها الدكتور رضا عبد السلام: المشكلة ليست في غياب الإمكانات، وإنما في ضعف تحويل الإمكانات إلى إنتاج. ومن ثم فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الاحتفال بزيادة الصادرات، بل من تغيير هيكل الاقتصاد نفسه..
من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد إلى اقتصاد يصنع مدخلاته، ومن اقتصاد يبيع الخام إلى اقتصاد يصنع المنتج، ومن اقتصاد يبحث عن العملة الصعبة إلى اقتصاد يولدها من الإنتاج.
وعندها فقط يصبح الوصول إلى 100 مليار دولار صادرات هدفًا واقعيًا، لا لأننا ضاعفنا أرقام الصادرات فحسب، وإنما لأننا ضاعفنا قدرتنا على الإنتاج.
هذه هي الرؤية التي ينبغي أن ننطلق منها: صناعة محلية عميقة، تعليم منتج، بحث علمي مرتبط بالسوق، إدارة كفؤة، بيروقراطية أقل، صلاحيات أوسع، أسواق تصديرية أكثر ذكاءً، ومحاسبة حقيقية على النتائج.
فمصر ليست فقيرة في الفرص؛ الفقر الحقيقي هو أن نملك الفرصة ولا نحسن استثمارها.. ولعل تصريح وزير الصناعة يكون بالفعل بداية لمرحلة مختلفة: مرحلة لا نقيس فيها قوة مصر بما تملك تحت الأرض أو فوقها، وإنما بما تستطيع أن تصنعه بعقول أبنائها، وتبيعه للعالم، وتضيفه إلى ثروتها كل يوم. عندها لن تكون الـ100 مليار دولار نهاية الطريق، وإنما بداية مصر الصناعية التي تستحقها.