فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

في تحليل ما جرى فينا ويجري علينا!

لماذا نشعر بالحنين القوي لمشاهدة أفلام الأبيض والأسود، نرى الناس مؤدبة، مهذبة، مهندمة؟ لماذا نسارع بالعودة إلى زمن بونجور يا هانم، نهارك سعيد، يومك جميل، لو تفضلت؟ لماذا نعشق خناقات ماري منيب مع ميمي شكيب ومحمد فوزي مع مديحة يسري وفريد الأطرش مع شادية، وغيرهم وغيرهم من نجوم ونجمات الفن في الأربعينيات والخمسينيات، بل حتي الستينيات؟ 

 

الذوق والأناقة والكلمة الحلوة ومراعاة الألفاظ، بل ونبرة الحديث ودرجة الزعيق، كل ذلك كان ثقافة مجتمع مهذب حريص أن يكون مهذبا، حريص أن يكون مؤدبا، كان البيت مدرسة للتعليم، وكان الفن امتدادًا للبيت والمدرسة، وكان الشارع والسلوكيات مرايا لحرص الناس علي أن تكون صورتهم وسمعتهم كما الفل.. 

 

شيء ما وقع فينا وعلينا منذ السبعينيات حتى الأيام السوداء الحالية.. واذا كانت هوية الشعب المصري تبدلت بشكل ملحوظ بنسبة كبيرة بعد السفر للنفط، والتعايش مع الوهابية والتزمت والاختلاط بثقافات أوردية شرق أسيوية، فإن هذه الهوية ذاتها اكتمل نموها نموا وحشيا مغايرا تماما للأصل المصري وانكشف ذلك لاحقا بشكل مخيف منذر! 

 

ماذا كان الأصل المصري؟ التسامح، قبول الغير والترحيب بالثقافة المنفتحة، اللطف، حفظ الجيرة، الحياء العام، مراعاة الذوق في المآتم وفي الأفراح.. كان المجتمع يمارس فضيلة الضبط الذاتي من خلال كلمات قوية تنهر وتزجر مثل عيب يا أخي، أو ما يصحش، أو انكسف على دمك، أو راعي كلام الناس، أو لا مؤاخذة حضرتك زودتها شويتين! 

 

لا تطجين ولا تجعير ولا ردح.. الردح كان للسوقة من ستات الحارات السحيقة، هو الآن سليقة لمذيعين وكتاب، يقدمون أسوأ أنماط الأداء، فجعلوا القبح معتادا، والتدني علوا اجتماعيًا. الأناقة ليست في الملابس الغالية الجميلة والساعات باهظة الثمن، بل في أي ملبس نظيف مهندم ووجه هادئ، ولسان مهذب، وصوت خفيض ملتمس الود، ملتمس الفهم ملتمس الحب ملتمس أي طلب..

 

ثم خرج علينا مع 2011 شعب آخر لا نعرفه. ولا يعرفنا، شعب من تحت الأرض، لا بأس، لكن اختلطت به إفرازات مواسير الصرف الصحي في مصر، وجوه كريهة كارهة، وقلوب حاقدة، وعقيدة متشحة بالدين الحق، مشوهة، وقتلة من فوق الأسطح ومن تحت الأرض بل بلغ التشويه حد التقسيم الديني، فالذين خرجوا من الظلام هم المؤمنون، والذين علي وجه الأرض هم الكافرون، فإما الهداية أو عقاب الكافر! 

 

ووقع التصحيح وانتصر النور على الظلام، فهل تغير المجتمع؟ هل استعاد القوم فضيلة اللطف، ونعمة الذوق، وأنس المودة، وحس المعاشرة وآداب الجيرة؟ بل كانت الحكومات اللاحقة جزءا من قسوة التبدل والتحول، لم تتقدم الصفوف لتعيد التوازن النفسي والوجداني للمجتمع بأن ضبطت لسانها وبيانها ليس فقط بحسن الكلمة بل بصدقها ومواءمتها. للظرف النفسي والمادي؟ 

 

نريد أن نسترد هويتنا الحقيقية. نحن الذوق، ونحن التحضر، ونحن اللطافة ونحن الحس الفكاهي. الممتع الجميل.. كل ذلك ذهب مع الريح.. ريح التربح والتنطع وإعلام البلطجة والزعيق وفن المخدرات وتمجيد المختلين نفسيا والمشوهين وجدانيا، وابتلاء الناس بمسئولين فيهم لصوص. وفيهم فاسدون، وفيهم عجزة عن الفهم وعن الإدارة، ممتازون في الجهل وفي إقصاء العلماء.. 

نريد العودة إلى استئناف فضيلة الجودة المعيشية، وتدريب أولادنا على حسن الكلام وأحسنه. النماذج التي يقدمها الفن من بلطجة وسطوة وهيمنة ومعارك هي حياة مجتمعات غربية، نعم لدينا أشقياء، لكن التفنن في الاقتباس والتفوق في تصوير العنف والقسوة بالذبح والسفك والسباب، يذهب عميقا في وجدان الصغار.. 

ومع الزمن ستجد كل ما وصفناه، سفالة ودناءة وخشونة، وعنف واستباحة، وتحطيم لكل معايير الحياة القويمة. ذلك بعض مما جري ولا يزال يجري لنا في شوارع نفوسنا العميقة..