فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الممر اللوجيستي المصري وإعادة هندسة سلاسل الإمداد

يشهد النظام الإقليمي العالمي تحديات ومخاطر متسارعة بناء علي حرب إيران أمريكا غير محددة المعالم أو الأهداف، وتبرز أدوات الحرب الاقتصادية كأخطر الأدوات بل وأخطر من الأسلحة التقليدية، وقد تصل لمرحلة سياسات الأرض المحروقة من الطرفين، وهنا تبرز تهديدات تدمير البنية التحتية الحرجة للطاقة وممرات التجارة الدولية. 

 

وطبقا لهذه التطورات، يتفاقم التوتر العسكري ومعارك البقاء والتلميحات باستخدام السلاح النووي وتصعيد انتحاري، في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز ثم مضيق باب المندب كأخطر التحديات التي تهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار سلاسل الإمداد.


وبشكل لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية بل وقد يكون أعتى، فلم يعد الموقع الجغرافي لمصر مجرد ميزة مكانية، بل تحول إلى "ممر لوجيستي سيادي متعدد الوسائط" يمتد من الساحل الشمالي المطل على البحر المتوسط إلى مواني البحر الأحمر وخليج العقبة، ليمثل شريان حياة استراتيجي وبديلًا آمنًا لدعم دول مجلس التعاون الخليجي في أوقات الأزمات والحروب واضطرابات الملاحة بما يضمن وصول مصادر الطاقة إلى العالم.

 

إن مضيق هرمز شريان رئيسي للطاقة، يمر من خلاله خمس تجارة النفط العالمية؛ وبالتالي فإن أي تهديد عسكري أو إغلاق كامل الممر يضع الاقتصاد الخليجي والعالمي أمام صدمة مزدوجة:


1- شلل إمدادات ناقلات النفط والغاز توقف الصادرات البترولية نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية.
2- شلل وصول السلع الاستراتيجية (البضائع الحساسة والمواد الغذائية والمستلزمات الصناعية إلى دول الخليج)


لذا تبرز الضرورة الملحة لـ "اقتصاديات المرونة والتحوط الاستراتيجي" Strategic Hedging and Resilience Economics، حيث ستصبح مصر من مجرد أحد بدائل الممرات الجغرافية إلى محور ارتكاز عالمي لامتصاص الصدمات، من خلال تفعيل شبكة بدائل نقل برية - بحرية متكاملة.


يستند الممر اللوجيستي الاستراتيجي المصري إلى منظومة حديثة من البنية التحتية تم تطويرها وفق أعلى المعايير الدولية، وأبرز محاورها هو:

1- التكامل بين  شبكة مواني البحرين المتوسط والأحمر:
يربط الممر بين المواني التي تم تطويرها على البحر المتوسط (مثل ميناء دمياط وميناء الإسكندرية) والمواني على البحر الأحمر (مثل ميناء سفاجا وميناء العين السخنة)، تكاملا بشبكة طرق قومية حديثة ومحاور تنموية طبقا لأعلى المواصفات، لاستيعاب نقل البضائع والترانزيت في زمن قياسي ليواجه الأزمات البحرية في المياه الإقليمية الخليجية.

 

2- تفعيل خطوط النقل السريع (Ro-Ro) والجسور البرية:
اعتماد آليات نقل متعدد الوسائط بدمج الشحن البحري بخدمات العبارات السريعة وشاحنات النقل الثقيل، مما يلبي تدفقًا سريعا للبضائع نحو العمق الخليجي عبر مواني العقبة ونويبع وميناء نيوم السعودي، محققًا تكاملًا إقليميًا مباشرًا.


3- تأمين وتكامل مسارات الطاقة (خطوط الأنابيب الاستراتيجية):
وبعيدا عن النقل البري والبحري للسلع، تقوم خطوط الأنابيب الممتدة عبر الأراضي المصرية دورًا حاسمًا في تأمين نقل الطاقة الخليجية إلى الأسواق العالمية، مما يخفف من الآثار الكارثية لأي توقف في حركة الناقلات البحرية.

 

الدور الأهم في الدعم المصري لا يعتمد فقط على البنية التحتية الصلبة، بل يمتد إلى البنية التحتية الرخوة (Soft Infrastructure) المتمثلة في سياسات تسهيل التجارة العابرة للحدود:
 

 * المرونة التشريعية والجمركية: تطبيق حزمة من الإجراءات لتسريع إجراءات الإفراج الجمركي عن شحنات الترانزيت المتجهة إلى دول الخليج، وإعفائها من القيود الإجرائية المعقدة لفترات الأزمات.


 * التشغيل المستمر: رفع كفاءة وقدرة المواني اللوجستية للعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، بما يضمن استمرارية تدفق السلع الاستراتيجية  في المواني المصرية.

إن الممر اللوجيستي المصري هو الأخطر في حرب اقتصادية عالمية ويمثل درعا فريدا حيث تضمن الاستقرار الاقتصادي لدول الخليج من خلال الكفاءة التشغيلية، لتؤمن حلول مستدامة لاستقرار سلاسل الإمداد العالمية، وحماية المصالح الاستراتيجية لدول الخليج في الأزمات والحروب. فإن التركيز على تطوير المنظومة من خلال تعزيز التكامل العربي يظل الضمانة لتحقيق الأمن الإقليمي والعالمي في مواجهة تحديات مجهولة تواجه العالم.