جرائم محمد صلاح!
لم يكن مشهد وصوله إلى مدينة طرابزون التركية يومًا عاديًا يمر في تقويم الأيام، بل كان أشبه بملحمة من ملاحم العشق التي تفيض بالدفء الإنساني.. زحفت الجماهير شيبًا وشبابًا حتى الأطفال، واحتشدت في الشوارع والميادين وكأنهم في انتظار المطر بعد طول جفاف وهتفت الحناجر باسم محمد صلاح حتى بحّت الأصوات، بينما انهمرت دموع فرح استثنائي من عيون جماهير عاشقة لترسم لوحة من الوفاء الاستثنائي، وفاء البدايات!
أضاءت المشاعل والألعاب النارية سماء المدينة لتبدد عتمة الليل، وطرابزون ليست مجرد بقعة جغرافية على الخريطة التركية، بل هي عروس الشمال العتيقة التي تبيت في أحضان الجبال الخضراء وتغسل أطرافها في مياه البحر الأسود، ذلك البحر المهيب الذي يعرف بشدة أمواجه وعمق أسراره، وكأنه يعكس في طبيعته المتمردة شغف سكان هذه المدينة وعاطفتهم الجارفة التي لا تعرف السكون.
جاءت الصفقة الاستثنائية التي هزت الأوساط الرياضية، لتفتح الباب واسعًا لسؤال لماذا هجوم البعض في بلادنا على هذا الرجل الذي كلما حط رحاله في مدينة، أعلن سكانها حالة الطوارئ حبًا وعشقًا؟
أكبر اتهام يواجه صلاح هو "السطو" المستمر على مشاعر الجماهير في مختلف أنحاء العالم منذ ظهوره المُلفت في بازل ثم روما، مرورًا بالملحمة التاريخية مع ليفربول، وصولًا إلى الأراضي التركية، اعتاد صلاح على سرقة قلوب المشجعين بابتسامته الساحرة وأدائه الاستثنائي داخل المستطيل الأخضر.
لم يكتفِ بسرقة انتباه الجماهير، بل سطا بكل براعة على احترام ألد المنافسين قبل المؤيدين، ليجعل من نفسه أيقونة لا تُمس ويالها من جريمة!
وبعيدًا عن الكاميرات، وفي قريته الصغيرة نجريج في محافظة الغربية وفي عموم محافظات مصر، يدير صلاح بشهادة الشهود وبعد السطو على مشاعر الجماهير تأني أكبر شبكة لـ "تهريب" السعادة تشمل عمليات التهريب بناء المستشفيات، وتأسيس المدارس ومراكز الشباب، وتوفير سيارات الإسعاف والمعدات الطبية، ودعم الأسر المتعففة شهريًا.
لقد قام صلاح بـ "شروع في قتل" اليأس وتحويله إلى أمل مشرق لآلاف الشباب والأطفال الذين رأوا فيه نموذجًا حيًا وملموسًا لتحقيق النجاح المستحيل. وأيضًا سجل صلاح حافل بـ"الاعتداءات" المتكررة والعنيفة على الأرقام القياسية التاريخية.
لقد كسر احتكار الأساطير وتلاعب بقوانين الفيزياء عبر أهدافه الخرافية وتمريراته الحاسمة. ثم الحصول على الحذاء الذهبي في الدوري الإنجليزي الممتاز لمرات عديدة، والتتويج بلقب دوري أبطال أوروبا والتربع على عرش الهدافين التاريخيين، والتهام الأرقام القياسية إلتهامًا، كلها تثبت تورطه في رفع سقف الطموحات الكروية إلى مستويات جنونية لا يمكن مجاراتها.
وفي عصرٍ تتسابق فيه الأضواء نحو الفضائح، في ظل عالم السوشيال ميديا وأبطال الترند ويُعد فيه الانفلات جزءًا من ضريبة النجومية، ارتكب صلاح جُرمه الأشنع بالتمسك بأخلاقه وقيمه، لقد أصرّ، مع سبق الإصرار والترصد على أن يقدم نموذجًا حيًا للشاب الذي يعتز ببيئته وجذوره..
لم تستدرجه مغريات الحياة الصاخبة في أوروبا بل ظلّ كالجبل الراسخ، يوزع نبل الفرسان حتى على أشد خصومه قسوة، إنها جريمة مكتملة الأركان في حق ثقافة الانحلال، وتحدٍ سافر لكل من راهن على أن بريق الذهب سيُعمي بصيرة الفتى القادم من قلب دلتا النيل.
وبينما يسقط الكثير من النجوم والمشاهير في فخ الغرور بمجرد الوصول إلى قمة المجد المالي والجماهيري -العقد الأخير لصلاح يتقاضى فيه نحو مليار جنيه سنويًا- مارس صلاح عملية احتيال كبرى على عالم الشهرة والنجومية، لقد تعمد إخفاء أي أثر للتعالي، وظل متمسكًا بتواضعه الشديد، وأخلاقه الرفيعة ليقدم للعالم درسًا في كيفية البقاء إنسانًا بسيطًا ومحبوبًا رغم امتلاك ثروات وأمجاد الملوك والسلاطين!
أتركوا محمد صلاح في فشله الجميل، وكما كنتم تستمعون بالأمس القريب إلى مدرجات الأنفيلد وهي تتغنى بأنشودة ليفربول الشهيرة Egyptian King، الآن فقط استمتعوا وأنتم ترون وتسمعون حناجر الأتراك وهي تزلزل أرجاء طرابزون بأغنيتهم الجديدة: "بسم الله، يا الله، محمد صلاح".