سوء(ق) خدمة العملاء
قبل نحو 4 آلاف عام قدم الفلاح المصري الفصيح ”خنوم أنوب“ شكواه بسهولة إلى خدمة العملاء في بلاط الملك ”نب - كاو - رع“ لاستعادة حقه المسلوب. بعد 9 محاولات حلوا مشكلته، لكن أحفاده يعانون الآن وهم يحاولون تقديم شكاواهم مرة تلو الأخرى لموظفي خدمة العملاء، بأحدث الوسائل دون جدوى.
عصفت تعقيدات الحياة بالحكمة الخالدة: الزبون دائما على حق.. لم يبق شيء على حاله. الزبون أصبح عميل، وفوت علينا بكرة تحولت إلى السيستم واقع، ومدام عفاف أضحت فكرة والفكرة لا تموت.. والحق نفسه صارت له أشكال بديلة كثيرة.
مرار طافح -بصوت أحمد مكي- ستواجهه عندما تضطرك الظروف لتقديم شكوى ضد خدمة أو سلعة.. كأنه موت وخراب ديار.. وليس في مصر الآن ما هو أكثر من شكاوى المواطنين من الحر ونتائج الثانوية العامة وفساد الفيفا.. وسوء (ق) خدمة العملاء.
ظاهرة عامة عابرة للقطاعات والوزارات والهيئات. جوهرها البسيط أن الزبون -حتى لو تنكر وأسمى نفسه عميل أو مستهلك، سوف تطبق عليه كل الأحكام والشروط باعتباره الطرف الضعيف أمام كل جهة يتعامل معها بعقد أو بفاتورة، ولو كان مقدم الخدمة أو السلعة كشك صغير على ناصية الشارع. في المقابل ليس له حقوق إلا حق الشكوى، لأنه مجرد زبون. أي ذاك الشخص الذي يمكن خداعه وغشه والتلاعب به.
“احترس بشدة.. إنها أسوأ شركة في مصر. وكل شوية يغيروا اسمهم علشان يوقعوا ناس جديدة“.. “5 سنين معاهم ومحصلش ولا كلمة من اللي قالها السيلز.. الحجز مستحيل ومستوى النضافة معدوم وكأنك بتشحت منهم”..
” 5 أيام بحاول أوصل لخدمة العملاء وكلهم مشغولين”.. “لو حبيت تشتكى تتصل 1000 مرة ويقولوا فيه تحديث وتقدم 100 شكوى ومحدش يسأل فيك”..
هكذا يشتكي المصريون الآن خدمة العملاء، عبر مختلف منصات السوشيال ميديا، بفصاحة أقل من جدهم ”خنوم أنوب“، لكن بنفس المرارة والإحساس بالغبن.
في قطاع الاتصالات مثلًا، تم تقديم نحو 263,262 شكوى خلال 2025، بحسب تقريرين أصدرهما الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات. تحسنت سرعة الاستجابة من 1.1 يوم إلى 0.86 يوم بنهاية العام. ومع أن نسبة الاستجابة للشكاوى بلغت 97%، إلا أن مستويات رضا العملاء تراوحت بين 43 و78٪، ما يعني أن الاستجابة لا تعني دائما حل المشكلات، بل فقط تسجيل الشكوى.
من جانبه، تلقى البنك المركزي نحو 197 ألف شكوى تتعلق بالخدمات الرقمية المصرفية في 2024، وفي ديسمبر 2025 وحده تلقى 3325 شكوى. أما جهاز حماية المستهلك، فقد استقبل العام الماضي أكثر من 211 ألف شكوى. هذه كلها مجرد مؤشرات تعكس حجم المشكلة بمختلف القطاعات.
تتركز أغلب الشكاوى في صعوبة تقديمها أحيانا. فالتواصل صار أكثر تعقيدًا وغموضًا، وزاد الـ AI الطين بلة، بعدما دخل على الخط. فالمستهلك المنهك أصلا بسبب مشكلته، صار مضطرا للتعامل مع روبوتات الدروشة، عفوا أقصد الدردشة، التي تأخذه للبحر وتعيده عطشانًا دون أن تجد له حلًا.
ومكاتب خدمة العملاء التي تستأجرها الشركات، ينحصر دورها فقط في تلقي شكاوى المواطنين وليس حلها فورًا لأن الموظفين غير مدربين أو أن الغرض فقط تسجيل الشكوى وتثبيت المواطن.
أما الصعوبات الحقيقية، فمعظمها يتركز في عدم إمكانية الوصول لأي موظف وبطء الرد أو عدم حل المشكلة أصلا حتى مع الرد أو سوء تعامل الموظفين أو تكرار حدوث المشكلة بعد حلها. أي أن معاناة المستهلكين تتفاقم بسبب سوء الخدمة أو عيوب السلعة وأيضا نتيجة أداء أقسام خدمة العملاء. ما الحل إذن؟!
قد تكمن نقطة البداية في زيادة فعالية أداء الجهات الرسمية المعنية وتغيير ثقافة الشركات.. وإطلاق مؤشر عام لرضا العملاء، بأرقام دقيقة، موثوقة، تلتزم كل الجهات بالإعلان عنها، دوريا، بقدر حرصها على إعلان أرباحها أو أرقام مبيعاتها أو حتى مستويات شعبيتها. حينها ربما يعود شعار "الزبون دائما على حق".
ahmedmostafaalomla@gmail.com