فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حان وقت إغلاق ملف اللجوء المفتوح

فجَّر قرار وزارة الداخلية السودانية مفارقة يصعب تجاهلها. فبعد أن دفعت الحرب في السودان مئات الآلاف إلى اللجوء في مصر، عادت السلطات السودانية لتشترط على العائدين تقديم جواز سفر سارٍ أو وثيقة رسمية تثبت هويتهم قبل السماح لهم بدخول أراضيها. 

قرار سيادي يخص السودان، لكنه يفرض على مصر أن تفتح بدورها ملفًا لا يحتمل مزيدًا من التأجيل. فإذا كانت الدولة التي خرج منها هؤلاء ترفض استقبالهم قبل التحقق من هوياتهم، فمن حق مصر أن تتساءل: كيف نسمح باستمرار وجود أشخاص لا تكتمل أوراقهم الرسمية على أرضنا؟


لقد تعاملت مصر مع الأزمة السودانية بمنطق الأخوة، ففتحت حدودها واستقبلت الفارين من الحرب، وتركتهم يعيشون بين المصريين في المدن والأحياء، دون معسكرات أو حواجز. كان ذلك موقفًا إنسانيًا يحسب للدولة المصرية، لكنه كان أيضًا استجابة لظروف استثنائية، وليس إعلانًا عن سياسة دائمة أو قبولًا بواقع لا نهاية له. وهنا يكمن جوهر القضية.

فالظروف الاستثنائية لا تصنع أوضاعًا دائمة، وقرار إنساني اتخذته الدولة في لحظة أزمة لا يجوز أن يتحول إلى التزام أبدي، ولا إلى أمر واقع يُفرض على المصريين. لقد فتحت مصر أبوابها بإرادتها، ومن حقها أن تعيد تنظيم هذا الملف بإرادتها أيضًا عندما تتغير الظروف.

 فلا أحد يملك أن يحول الاستضافة إلى توطين، أو اللجوء إلى إقامة مفتوحة، أو يطالب الدولة المصرية بالتخلي عن حقها في مراجعة سياساتها كلما اقتضت مصلحتها الوطنية ذلك.

لقد أحسنت مصر استقبال الأشقاء.. لكنها تأخرت في إدارة الملف. والدليل جاء هذه المرة من الخرطوم نفسها. فإذا كانت الدولة السودانية لا تسمح بدخول من يقول إنه سوداني إلا بعد أن يقدم ما يثبت هويته، فكيف يمكن أن تقبل أي دولة بوجود أشخاص لا تملك عنهم بيانات مكتملة أو وثائق معتمدة؟ إن معرفة هوية من يعيش على أرض الدولة ليست ترفًا إداريًا، وإنما هي أول قواعد الأمن القومي، وأبسط واجبات الدولة تجاه شعبها.

ولم تكن مصر وحدها أمام هذا التحدي. فخلال السنوات الأخيرة أعادت دول شمال أفريقيا النظر في سياساتها تجاه الهجرة غير النظامية. شددت موريتانيا إجراءاتها ورحّلت المخالفين لقوانين الإقامة، وكثفت الجزائر حملاتها لضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير القانونية.. 

وعززت تونس إجراءاتها لمواجهة تدفقات الهجرة، بينما شهدت ليبيا احتجاجات شعبية واسعة طالبت بإغلاق مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، رفضًا لأي مسار يُفهم منه تحويل الوجود المؤقت إلى توطين دائم.. 

كما واصل المغرب تشديد إجراءاته لمكافحة شبكات تهريب البشر وتنظيم الهجرة. ولم تعتبر هذه الدول أن ما فعلته خروج على المبادئ الإنسانية، بل ممارسة طبيعية لحقها في حماية أمنها القومي وإدارة حدودها.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، أن مصر لم تعرف في تاريخها الحديث هذا الحجم من الوافدين من جنسيات متعددة كما تعرفه اليوم. وهذا الواقع الجديد يفرض سياسة جديدة، لا تقوم على ردود الأفعال، وإنما على قواعد واضحة تنظم من يدخل، ومن يقيم، ومن يغادر، وتلزم كل مقيم بإثبات هويته ووضعه القانوني، حفاظًا على أمن الدولة وحقوق المجتمع.

إن مصر ليست وطنًا بديلًا عن أوطان الآخرين، وليست مطالبة بتحمل أعباء تعجز عنها دول أخرى. وما قدمته من دعم إنساني للأشقاء سيظل صفحة مضيئة في تاريخها، لكنه لا ينتقص من حقها الكامل في أن تراجع هذا الملف، وأن تتخذ ما تراه مناسبًا لحماية مصالحها.

لقد فتح القرار السوداني بابًا كان يجب أن يُفتح منذ سنوات. فالدول لا تُقاس فقط بكرمها، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية حدودها، وصيانة سيادتها، ومعرفة من يعيش فوق أرضها. أما حسن النية، فعلى نُبله، لا يمكن أن يكون بديلًا عن منطق الدولة.