بيان عاجل للرأي العام
يحسب للرئيس السيسي أنه أعاد أموال التأمينات لأصحابها رغم الأحوال الاقتصادية والأزمة المالية المزمنة، وهو قرار يعكس رؤية الرئيس في الانحياز لأصحاب المعاشات الذين أعطوا من أعمارهم لهذا البلد، وهو أيضا قرار لا يقدر عليه إلا رجل صاحب قرارات حاسمة تنهي المشاكل من جذورها..
وقد نشأت مديونية الخزانة العامة للدولة لصناديق التأمينات الاجتماعية نتيجة تراكم التزامات تاريخية على مدى عقود، كان أبرزها: تحمل صناديق التأمينات أعباء معاشات وفئات كان الأصل أن تتحملها الخزانة العامة، مع استخدام فوائض أموال التأمينات في تمويل عجز الموازنة العامة. واستبدال كثير من الاستثمارات المباشرة بمديونية مستحقة على وزارة المالية وبنك الاستثمار القومي.
ولذلك نص قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 على تسوية هذه التشابكات بصورة نهائية، ووقتها تم تقدير إجمالي المديونية التاريخية المستحقة لصالح الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بنحو: 898.7 مليار جنيه تقريبًا وهذا الرقم أصبح أساس التسوية القانونية التي نص عليها القانون..
وليس دينًا يُسدد دفعة واحدة، وإنما يتم سداده وفق جدول زمني طويل.. علي 50 سنة، وبغض
النظر عن كل الجدل الخالي بين وزيرين سابقين حول اتهامات ليس لها محل عندي إلا فلوس التأمينات، وكيفية إهدار فرص واعدة لاستثمارها بطريقة اقتصادية تدر عائدا مرضيا لأصحاب المعاشات..
ذلك أن ملف أموال التأمينات والمعاشات من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للنقاش في مصر على مدار عقود، بسبب قيام بنك الاستثمار القومي بإدارة جانب كبير من هذه الأموال، وتوجيهها إلى تمويل عدد من المشروعات والاستثمارات الحكومية.
فإدارة أموال التأمينات تختلف بطبيعتها عن إدارة أي أموال عامة أخرى، لأنها تمثل مدخرات وحقوقًا تأمينية لملايين المواطنين، ويجب أن تخضع دائمًا لمعايير دقيقة توازن بين الأمان والعائد والسيولة، بحيث تكون حماية حقوق أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم هي الاعتبار الأول.
ومن هنا، فإن القضية الحقيقية ليست من نلوم، وإنما كيف نبني منظومة حديثة لإدارة أموال التأمينات تقوم على الحوكمة والشفافية والرقابة المهنية والإفصاح الكامل، بما يمنع تكرار الجدل ويعزز ثقة المواطنين في إدارة أموالهم.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن صناديق التأمينات والمعاشات تستطيع أن تحقق عوائد مرتفعة، ولكن من خلال سياسات استثمارية مدروسة، وإدارة مستقلة، ورقابة فعالة، وإعلان دوري للنتائج، وليس عبر قرارات يكتنفها الغموض أو تثير الشكوك.
فالأمم التي تحترم نفسها لا تخشى مراجعة تاريخها، بل تعتبر تصحيح الرواية كلما ظهرت أدلة جديدة دليلًا على قوة مؤسساتها، لا على ضعفها. أما أموال التأمينات، فقد كانت وستظل أمانة في أعناق الجميع، وحقوقًا لا يجوز أن تكون محل اجتهاد أو مزايدة، وإنما محل حماية دائمة ومسؤولية وطنية.
ولكن ما حدث في مصر تاريخيًا هو تحويل هذه الأموال من أداة حماية اجتماعية إلى محفظة سيولة لتمويل عجز الموازنة والمشروعات القومية للدولة دون عوائد حقيقية تكافئ التضخم من خلال بنك الاستثمار القومي وصكوك الخزانة العامة..
الأزمة كانت في عقدة القوانين التي كبلت الصناديق وتجميد الأموال في قنوات منخفضة العائد: بموجب القوانين السابقة (وعلى رأسها القانون رقم ١١٩ لسنة ١٩٨٠ بإنشاء بنك الاستثمار القومي)، أُلزمت صناديق التأمينات بإيداع فوائضها بالكامل لدى البنك أو الخزانة العامة.
وكانت الفائدة صورية حيث كانت الدولة تمنح الصناديق فائدة ثابتة منخفضة جدًا (تراوحت في بعض الفترات بين 4% و8%)، في حين أن معدلات التضخم الحقيقية كانت تلتهم القوة الشرائية لهذه الأموال. هذا التثبيت المتعمد للفائدة كان بمثابة استيلاء مقنّع على أرباح الاستثمار الحقيقية لدعم الموازنة العامة للدولة على حساب اليتامى والأرامل وأصحاب المعاشات.
تحويل السيولة إلى صكوك غير قابلة للتداول:
تحولت السيولة النقدية الضخمة للتأمينات إلى مجرد صكوك على الخزانة العامة (مديونية دفتريّة) بلغت مئات المليارات، لتصبح الصناديق مجرد دائن للدولة تعجز حتى عن تسييل أموالها لصرف المزايا، دون اللجوء لفض التشابكات الماليّة مع وزارة المالية.
وكانت هناك فرص لاستثمار الفلوس في شراء حصص وشركات حكومية ناجح وقوية مثل موبينيل، والدخيلة، ومصر للألومنيوم، وكان هدفها رفع مستوى معيشة أصحاب المعاشات وتوفر على الدولة عبء الزيادات السنوية.
لكن للأسف، تم بيع تلك الشركات لمستثمرين أجانب وأفراد، وضاعت فرصة لن تعوض وظلت أموال التأمينات مباحة بلا صاحب.. لكل ذلك مطلوب بيان من الدولة يضع النقاط علي الحروف خاصة في ظل قرار إعادة تلك الأموال لأصحابها بقرار من الرئيس.