الجرعة الزائدة.. تقتلنا!
كل شيء بحساب وبقدر معلوم. هذه بديهية خالق وخبرة مخلوقات. إن زاد الشيء عن حده انقلب ضده.. حكمة المخلوقات على مر العصور. الدواء جرعات محددة محسوبة. لو أسرف المريض أو ممرضه في الجرعة قتلته. كذلك في الإعلام.. وفي السياسة، وكلاهما وجهان لعملة واحدة..
ومن أجل ذلك تكون هناك السياسات الإعلامية، يضعها فاهمون، والفاهمون ليسوا فقط علماء وخبراء وأساتذة، بل أيضا ممارسون ومهنيون وفيهم وبينهم سياسي. بارع العقل، دارس لنفسية الجماهير وكيفية تحركها وتحريكها، حشدها وتفكيكها.. توليفها وتوجيهها، بذكاء وفعالية، كما تفعل المياه تحت التربة بجذور النبات.. نرى أثرها في النمو والازدهار.
ذلك كله نقوله بسبب الجرعة الإعلامية الدرامية احتفالا واحتفاء بنجاح المنتخب الوطني في الوصول إلي دور الـ16 في كأس العالم، وبأدائه المهاري الذي طمأن الجماهير الي وجود منتخب كرة قدم يعتد به ويعتمد عليه..
بطبيعة الحال فرحنا جدا وفي الحق كنا وما زلنا نحتاج إلى الفرح، فخرجت الانفعالات هيستيرية، وهذا أيضا طبيعة جماهير كرة القدم في أي بقعة من العالم الكروي، ومن الطبيعي أن تخرج جماهير مصر لتستقبل الفريق بالزغاريد وكاميرات الموبايلات..
وكرمتهم الدولة وعلى رأسها رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، وتناولوا معه الغداء في لقاء أبوي، وفي الاستاد احتفالية ضخمة، وفي اليوم التالي كذلك، وتزامن مع كل هذه الأمطار الغزيرة من مشاعر الفرحة، هدايا مليونية، وعقارات مليونية وبرامج مليونية، ومع انحسار التفاخر والتباهي بدأ المواطن العادي يحسب كم صار لدي كل لاعب كرة قدم من ملايين في رصيده، وكم فيلا، وكم شاليه، وانقلب يحسب كم رغيف خبز تمويني في بيته!
تلك هي النقطة الفاصلة، تلك هي المفارقة.. ثم تبلغ الصدمة مداها الأقسى حين يكتب عالم كبير في الزراعة والموارد المائية هو الدكتور نادر نور الدين، عن رفض جامعة القاهرة توفير1500 دولار ليحضر مؤتمرًا لمنظمة الأغذية والزراعة في سبتمبر القادم بالدنمرك لمدة ثلاثة أيام، أعد لها أبحاثا ضافية مشرفة، وهو معتاد على ذلك..
فإذا بالجامعة تبلغه بقرار رئيس الوزراء الدكتور مصطفي مدبولي المنشور في الجريدة الرسمية بإيقاف مساهمة الجامعات في نفقات سفر الأساتذة لحضور المؤتمرات العلمية العالمية ترشيدا وتوفيرا للنفقات!
لم يكن العالم المصري يحسد لاعبي ومدربي وإداريي كرة القدم، بل كان يتآسى لحاله، ويشعر بالغبن، وحين كتب ذلك تعمق الشعور العام بقدر المفارقة.. حكومة تحتفي وتنفق وتذلل الصعاب للمنتخب وهو أمر مطلوب، وتري في سفر العلماء للمشاركة في المؤتمرات العلمية جرعة غير واجبة!
ما كتبه وجع الجميع، وبخاصة حين طالب بأن يبادر الأثرياء برعاية الجامعات والأساتذة وتمويل أبحاثها.. ومن الحق القول أن ما كتبه خلق أثرا وصحح موقف الجامعة إذ أبلغه رئيس الجامعة أمس الدكتور محمد سامي أن المشكلة سوف تحل ولن يحرم باحث مرموق من عرض أبحاثه في المحافل الدولية، وقال رئيس الجامعة أن مشكلة الدكتور نادر يحلها بنفسه، وفق ما نشره الدكتور نادر نور الدين..
إغداق بالملايين هناك، وتقتير معيب هنا.. وفي غير محله، ونهيب بالدكتور مصطفى مدبولي مراجعة قراره هذا، وحفظ حياء وكرامة الدكاترة وأساتذة الجامعات.. ويكفي مرتباتهم المهينة حقا.. بل المبكية.. وتعد مهزلة في سوق المرتبات بمصر!
الجرعة الزائدة عمقت الشعور بالمقارنة وتحولت مشاعر الجماهير من الفرح إلى عد الأرغفة في المطبخ.. ما وقع يكشف كشفا ساطعا عن غياب الرؤية السياسية لإخراج المشهد برمته، مداه وحجمه وعمقه وكثافته.. ومتى يتم وكيف تتم عملية الانسحاب والسحب التدريجي.. غياب العقل السياسي الإعلامي، المايسترو، خلق الآن مشاعر قاسية أقلها الحقد.. والمقارنات!