فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

دار اليتم والغربة

بين مرارة اليتم وألم الغربة يتقلب أهل محبة الله تعالى وولايته. إنهم في الظاهر من يراهم يظن أنهم معافون وينعمون بالسعادة ويحسدونهم ولهم عذرهم، فالناس لها الظاهر والبواطن لا يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه، فكم من الناس من تراه سعيدا وحياته وردية وهم يعلم الله تعالى بحالهم وما يعانون، نرى أهل الله تعالى وعباده الصالحين لا تفارق الإبتسامة وجوههم وهم أشد الناس معاناة وإحساس بمرارة اليتم وألم الغربة في هذه الحياة.. 

 

وصدق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذ قال "أشد الناس إبتلاء الأنبياء ثم الأولياء والصالحين والأمثل والأمثل"، هذا وكلما إرتقى العبد في منازل القرب كان إبتلاءه أشد فالمؤمن يبتلى على قدر دينه، أي على قدر محبته لله تعالى وإيمانه ويقينه ومعرفته به عز وجل، فإن كان في دينه زيادة زيد له.. 

 

هذا ومعاناة أهل الله تعالى على قدر إحساسهم بغربتهم في هذه الدار الموحشة دار المكابدة والابتلاء، دار لم يسلم منها ومن شرور أهلها عباد الله الصالحين، دار تغلبت فيها الأهواء وتحكمت الشهوات في أصحاب الأنفس المريضة وما أكثرهم فقد إعتلت القلوب بحب الدنيا فظهرت الأطماع والتكالب والحرص عليها وظهرت الأحقاد وإمتلأت النفوس بالحسد فساءت المعاملات بين الناس.. 

 

بالإضافة إلى الفساد الذي عم أرجاء الأرض بعد غياب الأخلاق الفاضلة الكريمة والقيم الإنسانية النبيلة لترك العمل بكتاب الله تعالى ومنهجه القويم، وهجر سنة وهدي سيدنا رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام وإنقياءهم خلف أهواء الأنفس وشهواتها، وإتباعهم للشيطان الرجيم وتعلقهم بزينة الحياة الدنيا التي أصاب حبها قلوب الكثير من الناس فعميت القلوب وإنطمست البصائر، حتى أصبح أهل الله وعباده الصالحين غرباء.

 

وصدق الرسول الكريم إذ قال "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبي للغرباء"، هذا ومما يعانيه أهل محبة الله عز وجل ومحبته ألم نيران أشواقهم لله على أثر تعلق قلوبهم وأرواحهم به عز وجل، فهو المحبوب لهم سبحانه، وهذا التعلق قديم وأخذ العهد والميثاق ومنذ أن أشرق الحق سبحانه على عباده بأنوار صفات ربوبيته في عالم الذر.. 

وهذه النيران لا تهدأ ولا تنطفئ إلا بلقاء المحبوب عز وجل، حكاية عن العارف بالله سيدي إبراهيم بن أدهم، زادت نيران شوقه لله في قلبه وكان يطوف ببيت الله الحرام فتوجه إلى الله عز وجل وشكى حاله فقال “إلهي وسيدي ومولاي إستعرت نيران الأشواق لك في قلبي فمنعتي الطعام والمنام وأنت سبحانك أعلم، فإن كنت قد أعطيت أحد من أهل محبتك ما يبرد به قلبه ويسكن شوقه فأعطني”..

فنام في تلك الليلة فرآى الحق عز وجل يعاتبه قائلا سبحانه "يا إبن أدهم تسألني أن أبرد لك قلبك وأسكن لك شوقك وأنت تعلم أن قلب المحب لا يبرد وشوقه لا يسكن إلا عند لقاءه بالمحبوب وأني قدرت اللقاء في الآخرة"، فإعتذر إبن أدهم قائلا “ربي لا اؤاخذني على ما قلت وعلمني ما أقول”. فقال سبحانه “ قل اللهم ارزقني الصبر على بلاءك والشكر على نعماءك والرضا بقضاءك”.