الجامعة بين الكتاتيب المصرية وحصير القش الصيني (2)
في الحقيقة أشهد أن التجربة كانت معقدة ومثيرة، وطريق وعر بدأته من أولى خطوات طرق تعليم الكُتاب المصري والصيني المشتركة في تبسيط بحر العلوم الهائج وترويض موجه لمراكب الطلاب، ليعبروا فيه بسلام..
وعليه حصل الطلاب على الفوز بالأماكن المروقة في العمل التي توفرها الشركات الصينية وفروعها المتعددة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية بالتعاون مع الجامعة، وتحت إدارة حكومية صارمة بإتاحة الفرص لطلاب اللغات وخاصة العربية المنتشرين في العالم العربي لترويج البضائع والمنتجات الصينية..
ودعابة "اندك اروسة" التي تسمعها المرأة المصرية عندما تفتح بابها، لتجد فتاة صينية تروج لمنتجات الزفاف، ما هي إلا دعابة ودعاية ومغازلة صينية للقلب المصري للشراء، ففي واقع الأمر الفتاة الصينية تجيد اللغة العربية الفصحي وتعرف أكثر من لهجة!
وفي ظل أغصان مكافآت شجر المشمش، كان يوجد أيضا العقاب الصارم، لكل طالب كسول، فلا رفاهية في التعليم، ولا وساطة. الكل تحت عصا الخيرزان إن أهمل درسه. وتذكرت طريقة حكماء الصين القديمة في تلقين دروس العلم للطلاب بشكل صارم والتركيز على مهارات تدريب الذاكرة للحفظ المباشر مع الفهم، والالتزام بالأخلاق والطاعة العمياء للمعلم لهدف بناء مجتمع منضبط..
وكان ذلك من خلال ما يعرف بالصينية منهج الفضائل الخمس والتي تمثل الركن الأساسي للأخلاق والتربية في عند المعلم والحكيم كونفوشيوس، والتي أصبحت فيما بعد منهجا تعليميا قائما بذاته كأسلوب حياة يتبعها الطلاب من خلال خمس ممارسات يتعلمها الطالب. وكان دور المعلمين تدريب الطلاب منذ صغرهم على كيفية التكامل مع هذه العناصر الخمسة التي تحمل جوهر الفضائل التي يجب أن يتعلمها الطالب قبل توجيه الأمر له بـ( اقرا واكتب).
أول هذه الممارسات الكونفوشيوسية للتعلم هي التدرب على "لي\禮" أي الطقوس السلوكية حيث تعد (لي) الفضيلة الأهم ولها الأسبقية في التطبيق، وهي الأقرب في المعني العربي التأدب مع المعلمين بداية من الانحناء الجبري للمعلم عند دخول قاعة الدرس والالتزام الطلاب بالجلوس مستقيما متأدبا لساعات طويلة دون حركة، وعند التحدث مع المعلم والمناقشة أو السؤال، فعليه بالعبارات الأكثر وقار.
ثاني الممارسات تأتي"شين\ 信"، وهو سلوك التدرب والتعلم على قيمة الأمانة والإخلاص، فكان المعلم الصيني يعلّم الطلاب أن الكلمة التي ينطق بها المرء هي ميثاق غليظ وعهد شرف، ويتجلى ذلك في تطبيق الوفاء بالعهود، والالتزام بتسليم المهمات اليومية من واجبات وحفظ أدواتهم الدراسية دون خلق أية أعذار لنسيانها أو إهمالها.
وتأتي الممارسة الثالثة في تعلم الـ"تشي\ 智"، وهي القدرة على تمييز الحق من الباطل، فالحكمة التعليمية في المعرفة عند الصينيين لم تكن مجرد حفظ نصوص الدرس فقط، بل كان المعلمون يوجهون الطلاب لتحليل المواقف التاريخية للحكام السابقين، وفهم العواقب الأخلاقية للقرارات السياسية لتنمية بصيرتهم وقدرتهم على امتلاك الـ"تشي" في النقد والمقارنة والتحليل، وليس الحفظ فقط.
أما رابع هذه الممارسات فـ"يي\ 義"، سلوك العدالة والاستقامة، حيث يُربي الطلاب على قول الحق والالتزام بالواجب الأخلاقي ومقاومة الإغراءات، فتعني "يي"باختصار وضع الواجب والمبادئ الأخلاقية فوق المصالح الشخصية أو الطمع في الثروة. وربط المنهج التعليمي بأن المصالح الشخصية والطمع في الثروة والنفوذ وعدم الاستقامة تبدأ في حياة الطلاب مبكرا إذ أقبل على الغش، لذلك وضع المعلم الصيني نظاما صارما في رفض الغش أو التحيز للطلاب بدون وجه حق مع تسليط العقاب الفوري على أي سلوك غير أمين وشفاف في العملية التعليمية برمتها.
وأخيرا، وكي يتحقق كل ما سبق فيجب إقامة الركن الخامس المتجسد في"رِن\仁" أي إظهار قيمة التعاطف الإنساني، وذلك من خلال ما يغرسه المعلمون من فكرة الأخوة بين الطلاب وتقاسم الفهم معا، حيث كان يُطلب من الطلاب الأكبر سنا أو الأكثر ذكاء مساعدة زملائهم الأقل استيعابا، وتجنب الأنانية، واعتبار الفصل الدراسي عائلة واحدة أو حسبما المفهوم الثقافي العربي كالجسد الواحد.
وهذا ما رأيته بالفعل بين طلابي، فعلي كل فصل كنت أرى طالبا أكثر تفوقا وذكاء يتقدم نحو منصتي معتذرا طالبا أن يوضح ما استعصى فهمه على مجموعته وكنت سعيدا بذلك، وأتذكر بالطبع طالبتي النجيبة ذات الاسم العربي (مي)، وطالبتي (مريم) والطالب المجتهد (فائق)، و(كمال)، وما كانوا يقومون به من تكريس مبدأ الـ(رن) بينهم وبين زملائهم.
وفي نهاية الرحلة أدركت أن خلاصة التعليم ليس في تعدد مناهجه وكثرة مساقاته إنما هي في فن التواصل الروحي والمعرفي بين المعلم والطالب إيمانا بإقامة صرح إنساني قادر على العمل ومعاركة الحياة لصناعة حضارته وما يميزه.
لذلك أرى أن الإيمان المطلق بقيمة الكتاتيب القديمة لدى الصينيين، هو من أسس أهم وأعرق جامعات الصين الحديثة في إنتاج دورة حضارتهم بعد انقطاع وتخلف ورجعية، وكان وضعهم تماما مثل وباء التخلف الذي أصاب مصر في حضارتها.
لكن هم خرجوا من هذا الوباء الحضاري باستحضار الموروث التعليمي القديم الذي كان يقام في الطبيعة المفتوحة، وبجوار الجداول المائية والحدائق الهادئة، وتحت ظلال شجر المشمش أو شجر الجنكة المعروف أيضا في الصين بشجرة المشمش الفضي، وكانت جذوع هذه الأشجار وظلالها المكان الأكثر أمانا لالتفاف الطلاب حول معلمهم لتلقي العلم منه..
كان يجلس المعلم في المنتصف على منصة خشبية مرتفعة قليلا أو حصيرة قش سميكة، بينما يتحلق الطلاب حوله في نصف دائرة على الحصير المصنوع من قش الأرز. جالسون ركوعا على الركبتين مع فرد الظهر والجسم على القدمين في وضعية تظهر أقصى درجات الاحترام للمعلم والتركيز فيما يقوله من علم.
استمد التعليم الصيني هيبته وجديته من مسار التعليم الذي كان تحت ظلال المشمش وعلى القش منهجا يرمز لتعاليم كونفوشيوس والتي تعرف الآن بالصين بـ(منصة المشمش).
وعلى الرغم من الدعوات المصرية في إعادة الكتاكتيب، فيا ترى كيف نعيدها وبأي روح نستلهم موروثها ونطور إرثها. التعليم هو وسليتنا الوحيدة لنجاتنا من مستنقع الوباء الفكري والفقري وتابوهاته الثلاث الذي تعيشه مصر.