الكلمة التي لم أتْلُها في يوم الصحفي!
"نحتفل بيوم الصحفي المصري، ذلك اليوم الذي لم يعد مجرد ذكرى عابرة في تاريخ النقابة، بل أصبح رمزًا لمعنى أعمق؛ معنى الكرامة المهنية، ووحدة الصف، والانتصار للحرية، والإيمان بأن الكلمة الحرة قادرة على أن تصنع التاريخ وأن تغير الواقع.
ونحن نحتفل بالذكرى الثلاثين ليوم الصحفي المصري، نستدعي واحدة من أنبل المحطات في تاريخ مهنتنا؛ معركة إسقاط القانون رقم 93 لسنة 1995، ذلك القانون الذي رآه الصحفيون وقتها تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة ومحاولة لتقييد الكلمة الحرة وحجب حق المجتمع في المعرفة.
وأقولها من واقع المعايشة لا من واقع الرواية، فقد كنت آنذاك سكرتيرًا عامًا لنقابة الصحفيين في مجلس النقيب الراحل الأستاذ إبراهيم نافع، رحمه الله، وكنت شاهدًا على تفاصيل تلك المعركة الوطنية والمهنية، ممسكًا بأوراقها، مشاركًا في تنظيم جمعياتها العمومية، ومتابعًا لكل خطواتها ومحطاتها.
لقد رأيت كيف تحولت نقابة الصحفيين إلى قلعة حقيقية للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وكيف أدركت الجماعة الصحفية أن القضية لم تكن دفاعًا عن امتيازات أو مصالح ضيقة، وإنما دفاع عن حق المجتمع في المعرفة، وعن حق الصحافة في أداء رسالتها دون خوف أو ترهيب أو وصاية.
كانت معركة عنوانها الحكمة بقدر ما كانت عنوانها الشجاعة، والنضال السلمي الواعي بقدر ما كانت عنوانها الصلابة في الموقف، عرضنا مطالب الجماعة الصحفية بلغة الحوار لا بلغة الصدام، وبمنطق الإقناع لا بمنطق التحدي، حتى استوعبت الدولة ممثلة في الرئيس الراحل محمد حسني مبارك حقيقة الموقف، وانحازت في النهاية لحرية الصحافة كما أرادتها نقابة الصحفيين ومجلسها وجمعيتها العمومية.
لقد أثبتت الجمعية العمومية في العاشر من يونيو عام 1995، ومعها المجلس التاسع والثلاثون، أن وحدة الصحفيين قادرة على صناعة التاريخ، وأن النقابة حين تتوحد حول قضية عادلة تصبح قوة مؤثرة في المجال العام.
وبعد عام كامل من النضال المشروع والاعتصامات والبيانات واللقاءات والمناقشات الجادة، وبعد لقاءات مباشرة مع الرئيس مبارك بحضور شيوخ المهنة، صدر القرار بتشكيل لجنة برئاسة الراحل الدكتور مصطفى كمال حلمي لإعداد قانون جديد للصحافة، وهو ما انتهى إلى إصدار القانون رقم 96 لسنة 1996 وإزالة العقوبات السالبة للحرية التي كانت تمثل جوهر الأزمة.
وانتصرت إرادة الصحفيين. وانتصرت النقابة. وانتصرت حرية الصحافة. وبقي ذلك الانتصار صفحة مضيئة في تاريخ مهنتنا.
أيها الزملاء والزميلات، إذا كانت هذه الذكرى تدعونا للفخر، فإنها تدعونا أيضًا للتأمل. فالاحتفاء بالماضي لا يكون بترديد أمجاده فقط، وإنما باستلهام دروسه.
والدرس الأهم الذي تعلمناه من معركة الكرامة هو أن قوة النقابة لم تكن يومًا في مبناها، ولا في شعاراتها، وإنما في وحدة جماعتها الصحفية وتلاحم مجلسها مع جمعيتها العمومية. فلولا هذا التلاحم ما تحقق شيء.
ومن هنا يفرض علينا الحاضر أسئلته الملحة: فإذا كان جيل 1995 قد خاض معركة الحرية وانتصر فيها، فما هي معاركنا اليوم؟ وماذا فعلنا للحفاظ على مكانة المهنة وهيبتها وتأثيرها؟ وماذا قدمنا لآلاف الصحفيين الذين يواجهون أعباء الحياة تحت وطأة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة؟
إن السواد الأعظم من أبناء المهنة يعيشون أوضاعًا اقتصادية صعبة، وهو ما يضاعف المسؤولية الملقاة على عاتق مجلس النقابة الحالي، الذي تتطلع إليه قلوب الصحفيين وآمالهم في خوض معركة الأجور، والعمل على زيادة بدل التكنولوجيا الذي أكدت أحكام القضاء أنه حق مستحق وليس منحة من أحد، وأن زيادته الدورية ضرورة تفرضها المتغيرات الاقتصادية وأعباء الحياة المتصاعدة.
إن الحديث عن حرية الصحافة يظل ناقصًا إذا انفصل عن الحديث عن كرامة الصحفي المعيشية. فالصحفي الذي يدافع عن حقوق المجتمع لا يجوز أن يعجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية. والصحفي الذي يحمل هموم الوطن يجب أن يشعر أن وطنه ومؤسساته المهنية يحملان بعضًا من همومه.
كما أن هناك قضية لا تقل أهمية، وهي ضرورة تحديث قانون النقابة الذي تجاوز عمره نصف قرن، وصدر في ظروف تاريخية وسياسية تختلف تمامًا عن واقعنا الراهن. لقد تغير العالم. وتغيرت أدوات المهنة. وتغيرت طبيعة المؤسسات الإعلامية. وظهر الفضاء الرقمي والمنصات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي. بينما ما زلنا نعمل بقانون شاخ ولم يعد قادرًا على استيعاب هذه التحولات الجذرية.
إننا بحاجة إلى قانون عصري يواكب العصر ويحمي المهنة، ويصون النقابة، ويضع ضوابط واضحة وحاسمة لاكتساب العضوية، ويحافظ على قيمة الانتماء النقابي وهيبة الكارنيه النقابي ومكانته المهنية، وأن يسهر المجلس على تطبيق إجراءاته بحسم وانضباط لا مجال معهما لتسرب أي غاد أو رائح لعضوية نقابتنا الغراء.
كما أننا بحاجة إلى قانون يتيح لصحفيي المعاش حق المشاركة الكاملة في الانتخابات النقابية، أسوة بما هو معمول به في كثير من النقابات المهنية، وفاءً لجيل أفنى عمره في خدمة المهنة والوطن. إن التحديات التي تواجه الصحافة اليوم لم تعد مقصورة على التشريعات أو الأوضاع الاقتصادية فقط.
فنحن نعيش عصرًا جديدًا تتغير فيه صناعة الصحافة والإعلام بوتيرة غير مسبوقة. الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل غرف الأخبار. والمنصات الرقمية تنافس المؤسسات التقليدية. وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أعددنا أبناء المهنة لهذا التحول؟ وهل نملك رؤية واضحة لمستقبل الصحافة المصرية في هذا العالم المتغير؟ وهل لدينا خطط حقيقية للتدريب والتأهيل والتطوير المهني تمكن الصحفي المصري من الحفاظ على مكانته وريادته؟
إن الذكرى الثلاثين لمعركة القانون 93 لا تدعونا إلى الوقوف أمام الماضي بإعجاب، بل تدعونا إلى التطلع نحو المستقبل بإرادة. فالحقوق لا تُمنح، وإنما تُنتزع بالنضال المشروع. والمهنة لا تتطور بالأمنيات، وإنما بالرؤية والعمل.
والنقابة لا تستعيد تأثيرها إلا عندما تصبح بيتًا جامعًا لكل الصحفيين، وقادرة على التعبير عن آمالهم والدفاع عن حقوقهم وتقديم ما يلزم من خدمات ومقومات حياة كريمة.
ومن هنا فإن الاحتفال الحقيقي بهذه المناسبة ينبغي أن يكون بداية لخريطة طريق جديدة؛ خريطة تنطلق من حوار مهني واسع حول إنقاذ المهنة اقتصاديًا ومهنيًا، ورفع مستوى معيشة الصحفيين، وتطوير أدواتهم، والدفاع عن حرياتهم، واستعادة دور الصحافة وتأثيرها ومكانتها في المجتمع، وإعادة بناء جسور الثقة بينها وبين جمهورها.
إن المجد الحقيقي لا يكمن في الانتصارات التي حققناها بالأمس، وإنما في قدرتنا على صناعة انتصارات جديدة تليق بتاريخ هذه النقابة العريقة.
رحم الله الأستاذ إبراهيم نافع، ورحم الله من رحلوا من جيل معركة الكرامة، وكل من حملوا راية الدفاع عن المهنة عبر العقود.
وأتوجه بكل التحية والتقدير إلى المجلس التاسع والثلاثين الذي يكرمه نقيب الصحفيين الأستاذ خالد البلشي ومجلس النقابة تقديرًا لدوره الوطني وموقفه التاريخي في تلك المعركة الفاصلة. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا ونحن نغادر هذا الاحتفال:
هل نطمح اليوم بشجاعة وإرادة ورؤية لنصنع جمعية كرامة جديدة؟ جمعية لا يكون عنوانها هذه المرة إسقاط قانون، بل إنقاذ الصحافة المصرية، واستعادة مكانتها، وصون كرامة الصحفي، وتمكينه من أداء رسالته الوطنية النبيلة؟
أثق أن الجماعة الصحفية التي انتصرت بالأمس قادرة على أن تنتصر اليوم وغدًا. وأثق أن النقابة التي صنعت تاريخًا من الكرامة قادرة على أن تصنع مستقبلًا يليق بها.
وكل عام وصحافة مصر بخير. وكل عام وصحفيو مصر أكثر وحدةً وقوةً وكرامة".
ما سبق هو نص الكلمة التي كان مقررًا أن ألقيها في احتفال نقابة الصحفيين بيوم الصحفي، غير أن ظروفًا صحية حالت دون حضوري، فطلبت من الزميل العزيز أيمن عبد المجيد، عضو مجلس النقابة، أن يتلوها نيابة عني، إلا أن ظروفًا طارئة حالت أيضًا دون إلقائها بعد تأخره في الوصول إلى مقر الاحتفال.
ولأن هذه الكلمة تتناول بعضًا من تفاصيل معركة إسقاط القانون 93، فقد رأيت أن أنشرها كما هي، لا رغبة في استدعاء الماضي، وإنما وفاءً للحقيقة، وحتى يبقى التاريخ مكتوبًا بأقلام من عاشوه، لا بألسنة من سمعوا عنه أو تخيلوه.
لقد استوقفني في الآونة الأخيرة ما يردده بعض المتحذلقين ممن يتصدرون للحديث عن تلك المرحلة، فيجزمون بما لم يشهدوا، ويفتون فيما لم يعايشوا، في محاولة للتقليل من دور مجلس النقابة آنذاك، بل وصل الأمر ببعضهم إلى الزعم بأن الأستاذ إبراهيم نافع، مع كامل التقدير لتاريخه ودوره، خاض المعركة وحده، وأن بقية أعضاء المجلس لم يكونوا سوى "جوقة" حضرت زفة المولد. وهي رواية لا تصمد أمام المنطق، ولا أمام الوقائع التي شهدها المئات، فضلًا عن أنها تمثل افتئاتًا صريحًا على الحقيقة.
والأغرب من ذلك أن هناك من ذهب إلى وصف تلك المعركة بأنها كانت مجرد "تمثيلية"، وهو إدعاء لا يسيء إلى أشخاص بعينهم، وإنما يسيء إلى الجمعية العمومية كلها، وإلى الجماعة الصحفية التي خاضت واحدة من أشرف معاركها دفاعًا عن حرية الكلمة.
وأقولها شهادة لله وللتاريخ: لا يجوز إنكار الدور الكبير الذي قام به الأستاذ إبراهيم نافع، فقد كان وقتها في رحلة علاج خارج البلاد، واتصل بي ليبلغني أنه سيقطعها ويعود للمشاركة في اجتماعات الجمعية العمومية، وهو موقف لا ينساه من عاصروه.
كما كان للأستاذ جلال عيسى دور مشهود، حين كلفه مجلس النقابة بإلقاء كلمة النقابة في عيد الإعلاميين، فجاءت كلمته معبرة بوضوح عن رفض الجماعة الصحفية لذلك القانون، حتى أثارت غضب الرئيس مبارك آنذاك.
وكان الزميل الراحل مجدي مهنا، عضو مجلس النقابة، أول من كشف للمجلس عن نية الحكومة إصدار ذلك القانون المشبوه، بعدما حصل على مسودته، وحذر من أن هناك قانونًا يُعد بليل لتكميم أفواه الصحافة، فكان إنذاره المبكر أحد الشرارات التي أيقظت الجميع.
أما الحقيقة التي لا يملك أحد تغييرها، فهي أن مجلس النقابة أدى دوره كاملًا، وتحمل مسؤولياته، كما أدت الجمعية العمومية دورًا بطوليًا لا يقل أهمية. لقد كان هناك تلاحم حقيقي بين المجلس والجمعية العمومية، وكنا جميعًا على قلب رجل واحد، فلم تكن معركة فرد، ولا بطولة شخص، وإنما كانت ملحمة جماعية شاركت فيها الجماعة الصحفية كلها.
ولذلك فإن محاولة اختزال هذا التاريخ في شخص واحد، أو محو دور مجلس النقابة، ليست مجرد خطأ في الرواية، بل ظلم للتاريخ، وإهدار لجهود رجال بذلوا من وقتهم وجهدهم ومكانتهم دفاعًا عن حرية الصحافة. والتاريخ لا يكتبه أصحاب الأهواء، وإنما تكتبه الوقائع، وشهادات من كانوا في قلب الحدث، لا من جاءوا بعد سنوات يرددون ما لم يروا، ويهرفون بما لا يعرفون.