فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أولها الكلاب.. 3 ملفات مهمة تحتاج لإعادة نظر!

حين تواجه الدول أزمات اقتصادية متراكمة، لا يكون السؤال الأهم: من أين نقتطع الدعم؟ بل يصبح السؤال الأجدر: أين تتسرب الموارد قبل أن تصل إلى مستحقيها؟ فالدولة الرشيدة لا تبدأ معالجة العجز من جيب المواطن البسيط، وإنما تبدأ بمراجعة كل بند إنفاق يمكن إعادة تنظيمه أو ترشيده أو توجيهه بصورة أكثر كفاءة، ومن هنا تبرز عدة ملفات تستحق الدراسة الهادئة البعيدة عن الانفعال والشعارات.


أول هذه الملفات قضية الكلاب الضالة التي يقدرها البعض بنحو 40 مليون كلب، تحولت في كثير من المناطق إلى تحدٍ صحي وأمني وبيئي، فمع تزايد أعدادها وارتفاع معدلات العقر وما يترتب على ذلك من تكاليف علاجية وأعباء على المنظومة الصحية، يصبح من الضروري وضع سياسة علمية متوازنة تحقق الرفق بالحيوان وتحفظ في الوقت نفسه سلامة الإنسان، عبر برامج حصر وتنظيم وتطعيم وإيواء مدروسة، بما يقلل من الخسائر البشرية والمالية التي تتحملها الدولة سنويًا.


ويأتي الملف الثاني مرتبطًا بالضغوط المتزايدة على الخدمات العامة والبنية التحتية نتيجة استضافة أعداد كبيرة من الوافدين واللاجئين. ومهما تكن الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية التي تدفع مصر إلى فتح أبوابها للمحتاجين، فإن إدارة هذا الملف تتطلب حسابات دقيقة تضمن استمرار تقديم الخدمات للمواطنين بالكفاءة المطلوبة، مع السعي إلى توسيع مساهمة المجتمع الدولي في تحمل الأعباء المالية المترتبة على الاستضافة، بما يحفظ التوازن بين الواجب الإنساني والقدرة الاقتصادية للدولة.


أما الملف الثالث فهو مراجعة أوجه الدعم غير المباشر التي قد تستفيد منها جهات أو مؤسسات لا تمثل أولوية مقارنة بالمواطن محدود الدخل. فكل جنيه يمكن توفيره من خلال إعادة هيكلة الامتيازات أو مراجعة آليات الدعم أو توجيهه لمستحقيه الحقيقيين، يمثل خطوة إضافية نحو تخفيف الأعباء عن ملايين الأسر المصرية.


إن جوهر القضية لا يكمن في الكلاب الضالة وحدها، ولا في ملف اللاجئين وحده، ولا في الامتيازات الممنوحة لبعض الجهات وحدها، ومنها السفارات الأجنبية التي تحصل على بنزين مدعم شأنها شأن المواطن ابن البلد، بل في النظرة الشاملة لإدارة الموارد. فحين تُراجع الدولة جميع بنود الإنفاق بميزان الكفاءة والعدالة، قد تكتشف أن هناك بدائل عديدة قبل المساس بما يعتمد عليه المواطن البسيط في معيشته اليومية.


ولا شك أن الحفاظ على الدعم أو إعادة هيكلته بصورة عادلة يتطلب حوارًا وطنيًا واسعًا يشارك فيه الخبراء والاقتصاديون وصناع القرار، بحيث تُطرح جميع الملفات على طاولة البحث دون استثناء، وتُدرس تكلفتها الحقيقية وعوائدها الاجتماعية والاقتصادية.


فالأمم لا تتقدم بكثرة الموارد وحدها، بل بحسن إدارتها. والنجاح لا يكون في رفع الأعباء عن الموازنة فحسب، وإنما في توزيع تلك الأعباء بعدالة، بحيث يشعر المواطن أن كل قرار اقتصادي يسبقه جهد حقيقي لترشيد الإنفاق وحماية المال العام، وأن مصلحة الوطن والمواطن هي البوصلة التي توجه السياسات والقرارات.

وعندما تتحقق هذه المعادلة، يصبح الإصلاح الاقتصادي أكثر قبولًا، وتصبح التضحيات أكثر احتمالًا، ويشعر المواطن أن الدولة بدأت أولًا من معالجة مواطن الهدر، قبل أن تطلب منه تحمل أعباء جديدة.
المواطن أولى الناس بالدعم والحماية ومصلحته تتقدم على ما سواها وأن تعيد الحكومة النظر في الملفات الثلاث لعلها توفر ما يمكنه أن يغني عن التحول إلى دعم نقدي لا يدري أحد عواقبه!