في ذكرى أمير القصة العربية، يوسف إدريس الثائر الذي فضل الكتابة على الطب حتى لا يموت
يوسف إدريس، الأديب المصرى الكبير، هو أنطون تشيخوف الأدب العربي. يوسف إدريس قُدمت رواياته في المسرح والسينما، اعتزل الطب، وعمل على فضح أكاذيب الصهيونية وجرائم الاحتلال الإسرائيلي، تميز بجرأة الفارس الواثق من إمكانياته وشجاعة الوطني الغيور على بلاده. آراؤه صادمة، اعتقل عدة مرات بسبب آرائه الجريئة، قال عنه طه حسين: "خلق ليكون قاصًّا". حصل على جائزة الدولة عام 1966، رحل عام 1991.
فى مثل هذا اليوم 19 مايو 1927 ولد الأديب يوسف إدريس فى قرية البيروم بمحافظة الشرقية، عشق القراءة والمعرفة منذ طفولته وهو يرى أنها هي التي شكلت وجدانه وهو صغير، وحول هذا يقول: "بدأت مشواري مع المعرفة في سن ثماني سنوات، كنت أقرأ الكتاب جيدًا حتى أستوعبه تمامًا، ولا أقرؤه سوى مرة واحدة، باستثناء القرآن الكريم الذي كنت أقرؤه مرات ومرات؛ لأن معانيه تختلف مع السن، فإيماني في الرابعة عشرة غير إيماني فى الخمسين.
النظرة بداية انطلاقته الأدبية
تخرج يوسف إدريس في كلية طب قصر العينى، وأثناء دراسته كان عضوًا نشطًا فى اليسار المصري وفي جماعة حدتو، قاد المظاهرات وكتب المنشورات ضد الاستعمار البريطاني، وأثناء دراسته للطب كتب أول قصتين قصيرتين له باسم "عبد القادر طه" و"أنشودة الغرباء" عام 1950.

لكن جاءت انطلاقته الأدبية حين عينه الصحفى أحمد أبو الفتح رئيس تحرير جريدة المصري محررًا بها، واعتبرت قصته الأولى التى نُشرت بها بعنوان "النظرة" بداية حقيقية له كأديب، نشر بعدها مجموعته القصصية الأولى "أرخص ليالي" عام 1954 في جريدة المصري، فسجلت اسمه كأحد كتاب القصة القصيرة في مصر، ولقب بتشيكوف العرب.
البداية في مكتب صحة بعدها اعتزل الطب
بدأ الأديب يوسف إدريس حياته العملية طبيبا في مكتب صحة السيدة زينب، ثم اعتزل مهنة الطب بصفة نهائية، وتفرغ لكتابة القصة والرواية والمسرحية، فقدم 11 مجموعة قصصية أشهرها: أيها الرجال، أرخص ليالي، 9 مسرحيات أشهرها: لفرافير، والمهزلة الأرضية، المخططين، البهلوان وغيرها ، وعرفت أعماله الأدبية بتناول معاناة المواطن البسيط في الحقل أو في المصنع، فكتب: الحرام، النداهة، العيب، البيضاء، الإرادة، رجال وثيران، بالإضافة إلى تأليفه 15 كتابًا تضم مقالاته ورحلاته وانطباعاته، منها: عن عمد اسمع تسمع، فكر الفقر وفقر الفكر، خلو البال، أهمية أن نتثقف، شاهد عصره، وغيرها.
السادات يفصله من جميع مناصبه
بدأ الدكتور يوسف إدريس الكتابة في مجلة روز اليوسف فعمل رئيسًا للقسم الأدبي بها، وحصل على عضوية نقابة الصحفيين، ثم عمل محررًا ثقافيًا بجريدة الجمهورية، وعيّنه السادات معاونًا له فى سكرتارية الاتحاد القومي، فكتب إدريس ينتقد الاتحاد القومي وفُصل من جميع مناصبه، وتولى بعد ذلك منصب رئيس قطاع المسرح.

انتقل يوسف إدريس في النهاية كاتبًا متفرغًا في جريدة الأهرام في عهد هيكل، ضمن كتاب الدور السادس الكبار بالأهرام، إلا أنه فى سنواته الأخيرة ترك كتابة القصة والرواية والمسرحية واكتفى بكتابة مقالاته في الأهرام تحت عنوان "مفكرة يوسف إدريس"، حتى وصفه بعض خصومه بأنه نضب إبداعه الأدبي.
تشيكوف يدافع عن نفسه
وصفه بعض النقاد بالنرجسية، فكتب يوسف إدريس يدافع عن نفسه في مجلة الشباب عام 1989 ويقول: أنا كثير التأنيب لنفسي، بمعنى أني أزاول دائمًا النقد الذاتي بيني وبينها باستمرار، ويصل هذا النقد إلى أدق دقائق تصرفاتي وشخصي وأعمالي، فأجدني مثلًا حين أكتب مقالًا أو عملًا أدبيًا لا أرضى عنه دائمًا بدرجة قد تصل إلى التردد في نشره، ولكن هذا يساعدني في أن أكون صادقًا في رؤيتي فلا يفلت مني زمام الكتابة؛ لهذا فإنني أنتقد نفسي أنني قليل الثقة بها.
ويضيف يوسف إدريس: ينتقدني البعض ويتهمونني بأني كاتب نرجسي، أي مهتم بنفسه أو شديد الذاتية فيما يكتب، وأرد عليهم بأن النرجسية في الكتابة مرض، وأنا لست مريضًا، والمفروض أن يرى الكاتب عيوبه فقط وليس مزاياه، والدليل أنني لا أعيد قراءة رواية كتبتها قط، لأنني أعلم جيدًا أنني لو فعلت فلن أرضى عنها، وسوف أعيد كتابتها من جديد.
يصف إسرائيل بالكيان العنصري التوسعي
اتخذ يوسف إدريس موقفًا عدائيًا للصهيونية في كتاباته، ففي كتابه "فكر الفقر وفقر الفكر"، يفند الدكتور يوسف إدريس دعاوى وأكاذيب الصهيونية وإسرائيل، ويؤكد أن ما تمارسه الصهيونية من مذابح وتهجير قسري في فلسطين، يؤكد ما ذكره الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي في كتابه “الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل"، ويفضح فيه رؤية الصهيونية وأحلامها وخططها لتحقيق هذه الأحلام قائلًا: إن الدولة الصهيونية حينما زُرعت في فلسطين فهي بلا مشروعية تاريخية وتوراتية وقانونية وأخلاقية؛ لأنها كيان عنصري توسعي يمارس الإرهاب ويحترف التمييز العنصري والمنهج الاستعماري القديم.