فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الأدب بين المثالية والواقعية!

في رحلته عبر القرون، لم يكن الأدب يومًا متخلفًا وخطوة العصر.. بل كان على طول المسير متناغمًا متلازمًا لحراك الأيام، وآية ذلك تلك التحولات التي طرأت على تعريفه ومفهومه.. إذ مر الأدب بمراحل فكرية متعددة ومختلفة، كان فيها الأدب وهو يتحول إنما يلبي حاجة عصره.. لكن في النهاية اهتدى الأدب في الوقوف على ثنائية قد عرًّفته تعريفًا جامعًا.. حين انحصر فيها بين المثالية والواقعية، وبينهما تفاوت في الدرجات، تقترب أحيانًا من هذا أو ذاك.

 

فالأدب المثالي -كالفلسفة المثالية- يقول: إن المحسوس ليس محسوسًا مطلقا، وليس الواقع هو الصورة الكاملة للمعاني الكامنة.. إذ أن هناك معاني وجودها غير مستفاد من هذا الواقع. ولا تستفاد بالتجربة، لأنها هي الأساس في المعرفة.. 

 

فهناك عالم الخيال برموزه. وهناك عالم الأحلام بصوره غير المرئية. وهناك عالم المُثل، يجذب الأفكار والأعمال إليه. وهناك عالم الروح، يريد أن يُحلق في أجواز الفضاء. وأول من قال بهذا وجعله مبدأ فلسفيًا هو أفلاطون (428 ـ 348 ق. م).. 

وهو القائل بخلود النفس، والتذكر، ونظرية المُثل. فالفن عنده ليس هو الصورة الحسية التي تُحدث في النفس لذة حسية جمالية. وإنما الجمال الذى ينشده، هو جمال الحق، أو جمال الخير، وكلاهما صورة من عالم المُثل، ليس لهما واقع محسوس أو ملموس.

 

والأدب الواقعي: هو الشطر الثاني من ثنائية التعريف.. فهو الذي يعتبر المحسوس والواقع هو المنبع الأول والوحيد له، ولا يعتد سوى بالمعرفة الآتية عن طريق الحواس والتجربة الذهنية. ومرجعه الإحساس والشعور العام المُستخلص من الواقع.. 

وأول من نادى بهذا الاتجاه هو أرسطو (384 ـ 322 ق.م) واستمد منه الأدب الكثير من اتجاهاته.. وهو القائل: الفن هو إظهار لشيء داخلي في معرض خارجي، فالفن عند أرسطو مُحاكاة للطبيعة، وترتيب لفوضاها، واستثارة عواطف وأحداث باطنة، بغية تطهير النفس من شهواتها.. عبر إثارة عاطفتي الخوف والشفقة بداخلها.

 

وتفرعت عبر العصور والتطورات الاجتماعية من تلكم الثنائية (المثالية والواقعية) تيارت فكرية في الأدب، كانت تقف قبل بزوغها على الخط الواصل بين المثالية والواقعية، فظهرت مدارس الأدب الكلاسيكي، والرومانسي، والواقعي، إلى غير ذلك من عديد مدارس الفكر الواقفة على طول الخط  بين النقطتين المحوريتين.. المثالية والواقعية.

 

فالأدب عند الكلاسيكيين: قول ينبع من العقل، ويصب في قواعد بنائية وأسلوبية، لا يحيد عنها.. وغايته؛ الحقيقة ينشدها لذاتها. ودعامته؛ المبادئ الخُلقية المتوارثة.. وذلك لصدوره عن أدباء أرستقراطيين، ولأنه موجه للطبقة الارستقراطية في المجتع. 

 

هذا واعتبر الكلاسيكيون أدب هوميروس (850 ـ ق.م)، وهزيود (735 ـ ق.م)، وايسحولوس (525 ـ 457 ق.م)، وسوفوكليس (495 ـ 4.5 ق.م)، ويوربيدس (485 ـ 4.6 ق.م)، وارستوفانيس (445 ـ 315 ق.م) من اليونانيين.. 

وأدب بلوتس (254 ـ 184 ق.م)، وتيرانس (185 ـ 159 ق.م)، وهوراس (65 ـ 8 ق.م)، وسينيكا (4 ق.م) من الرومانيين من عيون الأدب الكلاسيكي، المتميز بجودة الصياغة اللغوية وبلاغة التعبير.

وسار على دربهم أدباء فرنسيون مثل راسين (1639 ـ 1699م)، وكورني (1606 ـ 1684م)، وموليير (1622 ـ 1673م) فأنشئوا أدبهم على غرار هذه الآداب القديمة.. فعدوا أيضًا من الكلاسيكيين.

 

والأدب عند الرومانسيين: قول ينبع من العاطفة والإيمان بالفرد ومشاعره، ويتغنى بالوجدان. وسبيله الثورة على ما استقر في المجتمع.. من عقائد سياسية أو دينية أو خُلقية بالية. وغايته تغيير هذه الأوضاع، وتأكيد حرية الإنسان، وحث الشعب على معارضة الاستبداد والظلم. 

والرومانسية أخذت شكلها النهائي في فرنسا عند شاتوبريان (1768 ـ 1848م)، ولامارتين (1790 ـ 1869م)، والفريد دى فينى (1797 ـ 1863م)، والكسندر دوماس (1803 ـ 1870م).. أو ألمانيا عند شليجل (1767 ـ 1845م)، وهيلدرلن (1770 ـ 1883م)، ونوفالس (1772 ـ 1801م) أو في إنجلترا عند شكسبير (1564 ـ 1616م)، وشاترتون (1752 ـ 1770م)، وسكوت (1771 ـ 1832م) وغيرهم. 

 

والأدب عند الواقعيين: فهو بكلتا شعبتيه الغربية التشاؤمية والشرقية التفاؤلية، القول الذي يستهدف هدفًا اجتماعيًا يلامس حياة الناس وآلامهم.. فهو معني بالواقع الاجتماعي، بما فيه من خير أو شر، فضيلة أو رذيلة. 

وهذا اللون من الأدب نجده عند جميع الأدباء الروس.. حتى قبل الثورة البلشيفية - ثورة أكتوبر 1917م، وهو ينزع ناحية روح المثابرة، والتطلع إلى الأمام والكفاح ضد الظلم والطغيان.. نجده عند جوجول (1809 ـ 1852م)، وتورجنيف (1818 ـ 1883م)، وديستويفسكى (1821 ـ 1881م)، وتولستوى (1828 ـ 1910م)، وتشيكوف (1860 ـ 1904م)، ومكسيم جورجي (1868 ـ 1936م) وغيرهم قبل الثورة وبعدها..

من هنا نصل فيما ذكرنا إلى أن الأدب ما كان للتسلية، ولا للتسرية عن النفس فحسب، إنما هو فنٌ حوى خلاصة حيلة الإنسان في إيجاد المناسب من الحلول لمعضلاته التي يواجه.