مرسي جميل عزيز، جواهرجي الكلمة وشاعر الألف أغنية الذي خلد اسمه في ذاكرة الطرب
يعد مرسي جميل عزيز واحدًا من أعمدة الشعر الغنائي في مصر والعالم العربي، شاعرًا استثنائيًا عُرف بـ«جواهرجي الكلمة والأغنية»، ولقبه الوسط الفني بـ«الفكهاني» و«شاعر الألف أغنية»، بعدما كتب ما يقرب من ألف عمل غنائي تنوعت بين الرومانسي والوطني والاجتماعي، وتغنى بكلماته كبار نجوم الغناء، ليصبح أحد أشهر كتاب الأغنية والأوبريت في القرن العشرين، قبل أن يرحل عام 1980.
ولد مرسي جميل عزيز في فبراير عام 1921، ورحل في فبراير 1980، ليقطع رحلة إبداعية امتدت 59 عامًا بين الميلاد والرحيل، تخرج في كلية الحقوق، وبدأ حياته العملية في تجارة الفاكهة مع والده، وهي المهنة التي ارتبطت بلقبه الشهير «الفكهاني»، لكنها لم تبعده عن شغفه الحقيقي بالشعر، إذ كتب أولى محاولاته الشعرية وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ونُشرت بعض قصائده في المجلات آنذاك.
من الإذاعة إلى الانطلاقة الكبرى
بدأت مسيرة مرسي جميل عزيز الإذاعية عام 1939، حين أُذيعت أول أغنية له بعنوان «الفراشة» من ألحان رياض السنباطي، غير أن الانطلاقة الحقيقية جاءت عبر تعاونه مع المطرب عبد العزيز محمود في أغنية «يا مزوق يا ورد في عود»، التي فتحت له أبواب الشهرة، لتتوالى بعدها الأعمال الغنائية حتى تجاوز رصيده ألف أغنية، ويستحق عن جدارة لقب «شاعر الألف أغنية».

كلمات خالدة بصوت العمالقة
كتب مرسي جميل عزيز روائع خالدة لكوكب الشرق أم كلثوم، من بينها «سيرة الحب»، و«فات الميعاد»، و«ألف ليلة وليلة» التي كانت الأغنية رقم ألف في مشواره، وغنتها أم كلثوم عام 1969، وغنى له عبد الحليم حافظ «بتلوموني ليه» و«حبك نار»، بينما شدت فايزة أحمد بكلماتِه في «أنا قلبي ليك ميال» و«بيت العز يا بيتنا» و«ياما القمر ع الباب».
كما كتب لصباح «مال الهوى ياما» و«زي العسل»، ولشادية «على عش الحب» و«شباكنا ستايره حرير»، ولمحمد فوزي «بلدي أحببتك يا بلدي» و«جرحونا الحبايب»، ولمحرم فؤاد «الحلوة داير شباكها»، ولنجاة الصغيرة «أنا باستناك» و«إيه هو ده»، وغنت فيروز من كلماته «سوف أحيا»، إضافة إلى عشرات الأغنيات التي شكّلت وجدان أجيال متعاقبة.
حكاية «من غير ليه».. الأغنية التي تأخرت 12 عامًا
بدأت أزمة الشاعر مع أغنية «من غير ليه»، التي كتبها خصيصًا لعبد الحليم حافظ في أواخر عام 1975، بعد اتفاق جمعه مع العندليب الأسمر والموسيقار محمد عبد الوهاب لتقديمها في حفلات الربيع، أنهى مرسي جميل عزيز كتابة الأغنية، وبدأ عبد الوهاب تلحينها، إلا أن خلافات فنية نشبت حول بعض الكلمات، فتم تعديلها، وسط غضب الشاعر الذي انسحب من العمل غاضبًا.
رحل عبد الحليم حافظ قبل أن يغني الأغنية، وظلت حبيسة الأدراج داخل شركة «صوت الفن» نحو 12 عامًا، إلى أن قرر محمد عبد الوهاب تقديمها بصوته عام 1989، لتُحقق نجاحًا كاسحًا وتصبح واحدة من أشهر أعماله.

جدل ديني وقضائي
أثار نجاح «من غير ليه» جدلًا واسعًا، بعدما تقدم أحد الصحفيين بشكوى إلى لجنة الفتوى بالأزهر، مدعيًا أن أحد مقاطع الأغنية يتضمن مخالفة دينية، وامتد الأمر إلى دعوى قضائية لوقف إذاعتها وإدانة كاتبها، إلا أن المحكمة أنصفت مرسي جميل عزيز وبرأته، رغم أنه كان قد رحل عن الدنيا قبل إذاعة الأغنية وانتشارها.
العمل الأخير لعبد الوهاب
رفض عبد الوهاب منح الأغنية لأي مطرب من مطربي السبعينيات والثمانينيات، وفضل الاحتفاظ بها لنفسه، لتكون «من غير ليه» آخر أعماله الغنائية قبل رحيله عام 1991 عن عمر ناهز 93 عامًا، بينما ظل اسم مرسي جميل عزيز محفورًا في تاريخ الغناء العربي، كأحد أعظم من صاغوا الكلمة ولحنوا المشاعر بالحروف.