رهائن في كل بيت
ببساطة. وبلا تردد، ولا عناد، يجب الاعتراف أننا جميعا كبارا وصغارا، صرنا رهائن أجهزة الاتصال وما عليها من منصات رغي وثرثرة وضلال وتضليل وعلم قليل وخبث كثير وعهر أكثر! صرنا نعيش في سجون إلكترونية. انظر حولك، بل انظر لنفسك، ارفع رأسك عن كفّك فيه الموبايل ستجد رؤوس كل أفراد العائلة منكفئة على الشاشة الزرقاء الصغيرة، مجذوبين إلى عالم وهمي إلكتروني..
الحقيقة الوحيدة فيه هي الصوت المباشر أو الصورة المباشرة، وذلك قليل، لأن الأغلبية الكاسحة من المجاذيب معا يفضلون الإيهام، والغموض.. وإذا كان الكبار كذلك فإن الصغار سقطوا ويتواصل سقوطهم هم أيضا في مصيدة الشيطان، نتركهم نهبا للوساوس والتحريض والإغواء..
فالشخص الموجود على الناحية الأخرى، وربما أشخاص يتناوبون على الصبي ذاته، يقدم نصائح تفصيلية بالسرقة، بالانتحار، يعلمه العنف، يفتح له مواقع سوداء، يشده إليها، يلاعبه القمار الإلكتروني، ويورطه، كما يورط الكبار في لعبة المراهنات..
ناهيك عن كتائب تجنيد الشباب والصغار في منظمات إرهابية.. ما نقوله هو بالفعل ما نعيشه، وما نعيشه هو في حقيقة الأمر مأساة بكل معنى الكلمة، لأننا حاولنا التحرر وفشلنا، حاولنا كسر حلقة الإدمان وفشلنا، ففي كل خمس دقائق تمتد يدك طواعية ودون أن تشعر لتسحب الموبايل وتتفقد من اتصل، من أرسل من بث، من قال، من اهتمّ، من أونلاين، من أشاح عنك.. فما بالك بالصغار؟!
حين يجيء أحفادي للزيارة، تتم السلامات والأحضان سريعا، ثم يختفون.. موجودون بأجسامهم، لكنهم مجذوبون إلى ناس بعيدة، ونحن الأقرب..
التشريع الذي تتحضر له مصر سبقتنا إليه أستراليا، ومجلس اللوردات البريطاني، ودول أخرى كثيرة، تعلم أن القادم من جوف التكنولوجيا أشد وألعن.. وجدت كلمة الرئيس حول إعداد تشريع يحمي أولادنا وبناتنا من تغول المنصات الاجتماعية رد فعل إيجابيا، لأننا جميعا نعيش المصيبة، بل متورطون فيها..
فيسبوك وانستجرام وتيك توك وسناب شات وحتى الـAI باتت جميعها هي الأب وهي الأم، وهي الصاحب والصاحبة، بل باتت هي الدولة، في بضع شهور ستكون متاحة موبايلات تسلا للكائن الفضائي الذي بيننا، إيلون ماسك، هو قال إنه مخلوق فضائي، وعندئذ ستكون البشرية قفزت قفزة هائلة في أحضان الروبوتات..
مليارات منها سيفوقون أعداد البشر.. بضع سنوات وسنكون رهائن لإنسان خلقناه ليخدمنا فاستعبدنا.. السماوات المفتوحة هي السبب؟ ما نزلت من السماء إلا رسالات الخير والسكينة والمحبة والسلام، وما ترسله الأرض إلى السماء من أقمار للتجسس، وأسلحة للتدمير، ومحطات لإرسال إلا إشارات استعباد الإنسان، ودليل على ن الإنسان طغى وتجبر، ونصب الجحيم لنفسه قبل أن يلقى حسابه في الأعالي.
يريد الإنسان أن يكون إلها. فصنع من يستعبده ويتعبد صغاره ويقلبهم عليه.. تلك هي الكارثة! كلا إن الإنسان ليطغى.