لماذا كان يستغفر النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم؟
لماذا كان يستغفر النبي محمد، ولماذا كان دائما يحب الاستغفار، وهل الاستغفار له علاقة بمحو الذنوب فقط أم أنه لشكر النعم وجبر التقصير وصغائر الذنوب، وهل النبي محمد كان في حاجة لذلك وقد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولماذا كان يصر على الاستغفار، كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير سنتعرف عليه من خلال هذا التحقيق الذي سيكشف لماذا كان يستغفر النبي صلى الله عليه وسلم ومم؟!
استغفار الأنبياء
اتفق أهل العلم على أن الأنبياء معصومون من الشرك وكبائر الذنوب، وكذلك اتفقوا على عدم جواز وقوع الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط من منزلته منهم، أو تؤدي إلى الطعن في الرسالة كالكذب ونحو ذلك، واختلفوا في جواز وقوع الصغائر غير المزرية، فمنهم من منع وقوع ذلك ومنهم من أجاز وقوعها، وقالوا إن ما أضيف إلي الأنبياء من الذنوب ليس من قبيل الكبائر، ولا مما يزري بمناصبهم وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم، وعوتبوا عليها: يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عدت عليهم، وعوتبوا عليها: بالنسبة إلى مناصبهم، وإلى علو أقدارهم.

المراد بالذنوب التي وردت في حق النبي
اختلف أهل العلم في المراد بالذنوب التي وردت في حق النبي صلى الله عليه وسلم، والتي فيها أمر الله له بالاستغفار، وكذلك ما جاء في الآيات: أنه سبحانه غفر له ذنبه، وما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث التي فيها استغفار النبي صلى الله عليه وسلم من ذنبه، ومن ذلك:
قوله سبحانه:(فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) غافر/55.
وقوله سبحانه:( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) النصر/3.
وقوله سبحانه:( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) الفتح/2.
وما أخرجه البخاري في "صحيحه" (6398)، ومسلم في "صحيحه" (2719)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: (رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي، وعمدي وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير).
وما أخرجه البخاري في "صحيحه" (6307)، من حديث أبي هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ).
وما أخرجه مسلم في "صحيحه" (771)، من حديث علي بن أبي طالب: " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك).
وقد تأول العلماء الذين رجحوا عصمة الأنبياء هذه الآيات والأحاديث، وصرفوها عن ظاهرها، ومن رجح عدم عصمتهم عن شيء معين منها: حملها على ظاهرها، فيما جوزه على الأنبياء من ذلك.
وقال بعض العلماء: إن هذه من الصغائر كانت قبل الوحي، وظل النبي صلى الله عليه وسلم مشفقا منها حتى غفرها الله عز وجل له، ومن هؤلاء الإمام الشافعي رحمه الله.
ومنهم من رأى أن هذه الذنوب ليست ذنوبا على المعنى المعروف، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى نفسه مقصرا في شكر نعم ربه عليه، وكان يعد هذا التقصير ذنبا يثقل ظهره، فيستغفر ربه منه.
قال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (20/233):" فإن قيل: فماذا يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يؤمر بالاستغفار؟
قيل له: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وجهلي وهزلي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، أنت المقدم وأنت المؤخر، إنك على شي قدير.
فكان صلى الله عليه وسلم يستقصر نفسه، لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبا. ويحتمل... ثم ذكر أقوالا أخرى " انتهى.
ومن العلماء من رأى أنها من الصغائر التي لا تحط من منزلة النبوة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقره الله عليه، وقد أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من الاستغفار من ذلك، حتى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا لا يشين من قدره عليه الصلاة السلام.

هل استغفار النبي يعني وقوع معصية؟
وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم، أجيب عنه بعدة أجوبة، منها قول ابن بطال رحمه الله: الأنبياء أشد اجتهادا في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير، أي: أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكره ومنها أن استغفاره تشريع لأمته، والله أعلم.