عجائب وزارة الداخلية
في ساعات الليل المظلم، وعلى نواصي الخطر الداهم، وفي قلب مخازن الموت المحقق، تنتشر عيون الحراس من أجل صيد ثمين، يودي بتاجر فقد ضميره، وقرر الثراء بقتل ممنهج تحت عنوان براق "الكيف"، وبقدر انتشار تجار المزاج تتصاعد مهام الرجل الذي يقف حاملا روحه من أجل الفداء.. ضابط المكافحة.
الصورة الذهنية التي ورثناها أبا عن جد لضابط مكافحة المخدرات، هي ذلك الرجل الذي يطارد بالعقل والتدبير والسلاح كل مكائد القوى الشريرة، المخدرات ليست تجارة في الممنوع، المخدرات حرب تخوضها أجهزة وعصابات ودول من أجل إسقاط أجيال المستقبل في مستنقع الإحباط واليأس والهوان.
تغير كل شيء، التاجر لم يعد هو المعلم عبده القماش في فيلم النمر والأنثى، ولم يعد الضابط هو وحيد الذي كلف بالقبض على القماش، تاجر اليوم عصابات من خبراء في العلوم الصحية ومعامل على أعلى مستوى، والضابط وحيد لم يعد كما كان بل أصبح طاقة علمية وفكرية تتعدى حدود العلوم الأمنية المتعارف عليها.
تلقيت أغرب دعوة في حياتي، ركبت سيارتي على الطريق الدائري في اتجاه التجمع، صعدت كوبري للعبور إلى الناحية المقابلة لكايرو فستيفال، مبنى شاهق يكتسي بزجاج ذي لون جذاب، هنا تقع أقدم إدارة لمكافحة المخدرات في العالم، يعود تاريخ إنشائها الى العام 1929م.
المناسبة أكثر دهشة، هؤلاء الضباط والطواقم الأمنية الذين يطاردون التاجر والمتعاطي ولمن يسهل لهما الحصول على المخدرات، أقاموا حفلا أكثر غرابة.. اليوم وبمناسبة احتفالات الشرطة بعيدها المجيد جئنا لنحتفي بعدد غير قليل من المتعافين من الإدمان.
بالأمس القريب كانت هذه الطواقم الأمنية تطاردهم، واليوم تحتفى بإرادتهم وقدرتهم على التعافي والمشاركة الإيجابية في مجتمعاتهم، رمزية إنسانية أكثر تأثيرا وعمقا، نحن معك اليوم بقدر ما كنا ضدك بالأمس، معك لأنك استطعت أن تستعيد إرادتك الإنسانية لتصبح مواطنا صالحا وقادرا على التعافي.
مساعد الوزير لمكافحة المخدرات والسلاح غير المرخص اللواء محمد زهير واحد من الكفاءات النادرة في مجاله، صال وجال وسافر وعاد لاستكمال المسيرة، مسيرة المواجهة الشرسة ضد تجار الموت واليأس والإحباط، وعن يمينه اللواء مفيد فوزي رئيس الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، يشرح لنا تفاصيل أكثر دهشة.
الطرف الثاني في الاحتفالية الدكتور عمرو عثمان مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، وهو كفاءة نادرة يقود فريق عمل قدم لمصر والعالم نموذجا يحتذى، ليس في محيطه الإقليمي فقط، بل على المستوى الدولي، اصطحب الدكتور عمرو عددا من شباب مصر الذين استعادوا إرادتهم وتعافوا من غول ووحش الإدمان القاتل.
ابطال الاحتفالية شباب في عمر الزهور، منهم من قضى السنوات الطوال في غياهب الجب العميق، فقد إنسانيته وقدرته على التحدي، وسلم زمام أموره إلى شيطان الكيف المذل، ثم قاوم ووجد في صندوق المكافحة أيادي بيضاء تعمل من أجل أهداف سامية لاستعادة إنسانية الإنسان.
تجارب قاسية خاضها هؤلاء مع شبح الإدمان ووحش السقوط في المستنقع، وعندما أرادوا أن يستعيدوا ذواتهم وجدوا ضالتهم المنشودة في واحد من أرقى مراكز علاج الإدمان، التي تنتشر في ربوع مصر بعدد 31 مركزا، استقبلت أكثر من 160 ألف مدمن، وحققت إنجازات مذهلة وبالمجان.
بين ردهات المبنى الأهم سترى عجبا، لن ترى ضباطا يواصلون العمل ليل نهار، ولن يدهشك فقط استراحات يبقى فيها الضابط لأسابيع بعيدا عن أهله وأسرته من أجل تحقيق المراد، بل سترى ما هو أكثر عمقا، وعلما، ودراسة ومتابعة لكل ما هو جديد في العالم أجمع.
معامل على أحدث مستوى تحلل كل ما يرد إليها من مواد، وتتابع مع معامل أخرى تنتشر في كل بقاع العالم لتتبادل المعلومات في كل ما هو جديد في عالم عصابات صناعة وتداول المخدرات، ننقل خبرات أطبائنا الضباط إلى العالم كله، ونحصل من معاملهم على آخر ما وصل إليه عالم الكيف من بدع وحيل وبراعة.
سترى معملا للكمبيوتر يعكف عليه مجموعة من خيرة الضباط المتخصصين في الذكاء الاصطناعى وعلوم الكمبيوتر، لتحليل وقائع ما يجرى في محيطنا المحلي والدولي، لرسم خرائط ما هو قادم إلينا قبل أن يصل بأيام وربما شهور أو سنوات تحقيقا لمتابعة علمية وعملية.
لم تعد إدارة مكافحة المخدرات عبارة عن ضباط مهرة في عمليات القبض والكر والفر، وإنما أصبحنا أمام مؤسسة علمية تدار وفق أحدث ما وصل إليه العلم، تحليل بيانات ومعلومات وأحداث في كل مكان، لتدريب ضباط مصر في كل مكان على المواد الجديدة والمخلقة، وكيفية الكشف عنها وعليها.
في ردهات المبنى العتيق تاريخيا والحديث إنشائيا، متحف يضم سيرة مسيرة المخدرات في مصر، سنوات العمل ومذكرات من عملوا هنا منذ أيام الاحتلال الإنجليزي، أدوات التعاطي في مشارق الأرض ومغاربها، أنواع المخدرات ومواقع زراعتها وتصنيعها.. أنت باختصار شديد في واحد من أهم جامعات العلم والعمل.. تحية لرجال يحملون أرواحهم على أياديهم حماية لأبنائنا من خطر لا يطال الأفراد فقط، بل ينال من مستقبل الأمة كلها.