فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أولاد البطة السوداء

في كل مرة تحتاج فيها الدولة إلى العملة الصعبة، يتقدم المصريون العاملون في الخارج إلى الصفوف الأولى، بلا ضجيج ولا شروط، يرسلون عرقهم قبل أموالهم، ويثبتون أن الغربة لم تنتزع من قلوبهم الوطن. لكن المؤلم أن هذا الإخلاص لا يُقابَل دائمًا بما يليق به من تقدير، بل يُختزل أحيانًا في نظرة ضيقة ترى فيهم مجرد مورد مالي جاهز للاستدعاء وقت الحاجة.


المصريون في الخارج ليسوا أولاد البطة السوداء، وليسوا خزينة طوارئ، ولا يجوز التعامل معهم بمنطق الجباية واللي ييجي منهم احسن منهم. 

 


هم مواطنون كاملون، غادروا بحثًا عن فرصة حياة كريمة، ولم يغادروا انتماءهم، ولا انقطع خيطهم مع بلدهم. ومع ذلك، تتراكم القرارات التي تُشعرهم بأن الدولة لا تتذكرهم إلا حين تضيق الموارد، فتفرض الرسوم وتزيد الأعباء، ثم تمضي دون حوار أو تفسير. باهت وسخيف وغير مقنع وبمبررات ساذجه تنم عن جهل المسؤولين.


وأخيرا جاء قرار إلغاء السماح لكل مصري عائد إلى أرض الوطن بإدخال هاتف محمول واحد دون جمارك ليجسد هذه الأزمة بوضوح. قرار صغير في حجمه، كبير في رمزيته، مسّ إحساس المواطن بالتقدير، وأثار غضبًا مشروعًا لدى من رأوا فيه رسالة قاسية مفادها أن الثقة مفقودة، وأن النية الطيبة موضع شك دائم. لم يكن الهاتف امتيازًا، بل لفتة طبيعية تعكس احترام الدولة لمواطنيها، وإلغاؤها فجأة فتح بابًا واسعًا للإحباط.


الأخطر من القرار نفسه هو نمط اتخاذه: قرارات عَنتَرية، غير محسوبة العواقب، تُتخذ بمعزل عن المزاج العام، ودون قراءة دقيقة لتأثيرها النفسي قبل الاقتصادي. فالدولة التي تُرهق أبناءها في الخارج بإجراءات مفاجئة، قد تربح رسومًا محدودة، لكنها تخاطر بخسارة ما هو أثمن: الرغبة الطوعية في الدعم، والثقة المتبادلة التي لا تُشترى بالأرقام.


المصريون العاملون بالخارج لا يطالبون بمعاملة خاصة، بل بمعاملة عادلة. لا يريدون أكثر من أن يشعروا بأن وطنهم يراهم، ويقدّر دورهم، ويحترم عقولهم. المطلوب من الحكومة أن تُعيد النظر في طريقة مخاطبتهم، وأن تُراجع قراراتها قبل صدورها، لا بعدها، وأن تفهم أن الاقتصاد لا يُدار بالقرارات الفوقية وحدها، بل بالشعور الوطني.


فالوطن الذي يطلب من أبنائه الكثير، عليه أولًا أن يمنحهم الإحساس بالعدل والاحترام. وإلا تحوّل الدعم الصادق إلى صمت بارد، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة في زمن الأزمات.