فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

سوريا إلي أين (1/ 4)

سوريا بوابة الفوضى: أفغنة مُدارة وإقليم على حافة الانفجار

 ما جرى في سوريا خلال الأشهر الأخيرة لا يمكن اختزاله في مشهد عسكري عابر، ولا تفسيره بوصفه نتيجة طبيعية لانهيار نظام حكم أنهكته الحرب. نحن، على الأرجح، أمام سيناريو مركّب، كُتب على مراحل، وجرى تنفيذه ببرود لافت، بدأ بسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر، في مشهد صادم أقرب إلى انسحاب منظّم منه إلى هزيمة عسكرية مكتملة الأركان.

 

جيش صمد أكثر من عقد في مواجهة حرب كونية متعددة الجنسيات، وتحمّل ضربات تنظيمات تكفيرية مدعومة إقليميًا ودوليًا، انهار فجأة بلا مقاومة تُذكر. هذه المفارقة وحدها تفرض سؤالًا تأسيسيًا لا يجوز القفز فوقه: هل سقط النظام.. أم أُسقطت الدولة؟

التمييز هنا ليس لغويًا ولا تجميليًا. فإسقاط نظام، مهما كانت كلفته، قد يفتح باب انتقال سياسي، أما إسقاط الدولة ذاتها، فهو وصفة مفتوحة لفوضى طويلة، وإعادة إنتاج الصراعات بأشكال أكثر قسوة وأقل قابلية للاحتواء.

تمدد الجولاني وغياب اللاعب الأقوى

إذا كان سقوط دمشق هو الفصل الأول من هذا المشهد، فإن ما نشهده اليوم يبدو كالفصل الثاني من الفيلم ذاته، ولكن بإخراج أكثر قتامة وأقل شفافية.


تمدد سريع لقوات الجولاني في مساحات واسعة، يقابله انسحاب مفاجئ لقوات سوريا الديمقراطية من مناطق كانت تمثل عمق نفوذها السياسي والعسكري، واختفاء شبه كامل لقوة لعبت الدور الحاسم في دحر تنظيم داعش، حين كان في ذروة توسعه ووحشيته.

 

هنا لا يعود السؤال تقنيًا أو ميدانيًا، بل سياسيًا بامتياز: كيف تنسحب قوة تمتلك هذا الحجم من الخبرة والجاهزية والعتاد؟ وهل ما جرى يعكس هزيمة عسكرية فعلية، أم قرارًا سياسيًا فُرض من خارج الميدان، وتجاوز حسابات القوة والضعف؟

قسد ووحدات حماية المرأة.. أرقام لا يمكن تجاوزها

قوات سوريا الديمقراطية لم تكن يومًا ميليشيا هامشية أو قوة عارضة في سياق الحرب السورية.
نحن نتحدث عن تشكيل عسكري يُقدَّر قوامه بما بين ثمانين إلى مئة ألف مقاتل، خضعوا لتدريب مكثف على أيدي قوات التحالف الدولي، وامتلكوا تسليحًا حديثًا، وشاركوا في مناورات وتنسيق عملياتي مستمر مع القوات الأمريكية والفرنسية.

 

أما وحدات حماية المرأة، فلم تكن مجرد إضافة رمزية أو خطابًا دعائيًا للاستهلاك الإعلامي، بل قوة قتالية منظمة، لعبت دورًا حاسمًا في معارك كوباني والرقة ودير الزور، في اللحظة التي كان فيها تنظيم داعش في ذروة قوته وعديده، وحين كانت بعض الجماعات التي تتصدر المشهد اليوم تقاتل إلى جانب داعش لا ضده.

من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا وخطورة: كيف تُهزم هذه القوة فجأة؟ أم أن ما جرى ليس هزيمة أصلًا، بل انسحابًا محسوبًا جرى تحت سقف تفاهمات أوسع من حدود الجغرافيا السورية؟

سجون داعش.. من الحراسة إلى إعادة التوظيف؟

الأخطر في المشهد لا يكمن فقط في تغير خرائط السيطرة، بل في ما تردد –ويتردد بقوة– عن نقل أو تسليم سجون ومعسكرات أسرى داعش إلى قوى تنتمي أيديولوجيًا إلى البيئة نفسها، أو على الأقل لا ترى في التنظيم عدوًا وجوديًا.

 

إن ثبت هذا المسار، فنحن لا نكون أمام خطأ تكتيكي أو ارتباك انتقالي، بل أمام إعادة تدوير مقصودة للإرهاب، واستخدامه مرة أخرى كأداة وظيفية في صراع إقليمي مفتوح.

 

وهنا تستحضر الذاكرة فورًا تجربة أفغانستان، حين تحولت التنظيمات من أدوات مرحلية إلى وحوش خرجت عن السيطرة، وارتدّت على صانعيها وحلفائهم قبل خصومهم. الفارق الوحيد أن المسرح هذه المرة ليس معزولًا، بل يقع في قلب إقليم شديد التشابك، لا يحتمل مثل هذه المغامرات.

الإدارة الذاتية.. نقطة الضوء التي يُراد تحييدها

وسط هذا السواد، تبقى تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا واحدة من المحاولات القليلة الجادة لإنتاج نموذج مختلف في بلد مدمَّر:                                                                        - مشاركة نسبية لمكونات المجتمع: كرد، عرب، سريان، آشوريون.                                       - تمييز إيجابي للمرأة، لا كشعار، بل كدور سياسي وعسكري ومجتمعي فعلي.                              - محاولة بناء عقد اجتماعي جديد، ولو هشًا، في بيئة انهارت فيها الدولة المركزية.

 

هذه التجربة لم تكن مثالية، ولم تدّعِ الكمال، لكنها شكّلت نقيضًا صريحًا لمشروع الأفغنة والتكفير، وهو ما يفسر -إلى حد بعيد- لماذا يجري اليوم تحييدها أو إضعافها في هذا التوقيت بالذات، مع تغير الأولويات الدولية والإقليمية.

أفغنة سوريا.. السيناريو الأسوأ وربما الأقرب

ما نشهده اليوم يوحي بأن ثمة من اتخذ قرارًا خطيرًا: ترك الساحة السورية للفوضى المنظمة، إعادة إشعال الصراعات الطائفية والعرقية، واستخدام التنظيمات الجهادية كأداة لضبط الإقليم عبر الفوضى لا عبر الاستقرار.

وأفغنة سوريا لا تعني فقط خراب الداخل السوري، بل تعني نقل النار بسرعة إلى دول الجوار، في إقليم لا تملك أي دولة فيه ترف الانهيار أو الفوضى الطويلة.

خاتمةمفتوحة على القلق

ما يجري في سوريا ليس سوء إدارة، ولا فشل انتقال، ولا نتيجة جانبية لانهيار نظام. ما يجري هو قرار بإبقاء سوريا بلا دولة، وبلا مركز سيادي قادر على الإمساك بالجغرافيا والمجتمع معًا.

حين تُحَيَّد قوة قاتلت داعش وانتزعت منه مدنه، وحين تُفكَّك تجربة حاولت -ولو بحدها الأدنى- إنتاج عقد اجتماعي خارج منطق الطائفة والتكفير، وحين يُعاد فتح ملف الإرهاب لا لإنهائه بل لإعادة توظيفه، فإننا لا نكون أمام أخطاء، بل أمام خيار سياسي واعٍ.

هذا الخيار اسمه: أفغنة سوريا

أفغنة تعني دولة بلا دولة، وسيادة بلا سيادة، ومجتمعًا يُدفع إلى الاحتراب الداخلي،بينما تُدار اللعبة من الخارج بهدوء بارد. ومن يراهن على أن النار ستبقى داخل الجغرافيا السورية وحدها، يخطئ التقدير.

فالتاريخ القريب يقول إن الإرهاب حين يُستخدم كأداة، لا يعرف لاحقًا كيف يكون أداة، بل يتحول إلى قوة منفلتة، تأكل خرائط، وتكسر حدودًا، وتلتهم رعاتها قبل خصومها. الصمت الدولي ليس غيابًا، والتواطؤ ليس دائمًا إعلانًا. أحيانًا يكفي أن تُترك الأبواب مفتوحة، وأن تُسحب الحواجز في اللحظة المناسبة. 

في هذا الشرق، حين يُقرَّر أن لا تقوم دولة، لا تُسأل الشعوب عن الثمن.. بل تُدفع إليه دفعًا. لكن السؤال الأخطر يبقى: لماذا جرى تحييد القوة التي هزمت داعش؟ ولمصلحة من أُفرغ الميدان من لاعب كان قادرًا -عسكريًا وأمنيًا- على منع عودة الفوضى؟

هذا ما تحاول الحلقة الثانية تفكيكه.