فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ما بين التمثيل والتمكين.. نحو حضور حقيقي للمرأة المصرية

لم يعد الحديث عن المرأة المصرية مقتصرًا على أرقام التمثيل أو نسب الحضور الشكلي في المجالس والمؤسسات، بل أصبح السؤال الأهم: هل هذا الحضور يعكس تمكينًا حقيقيًا قائمًا على المهارات والخبرات، أم مجرد تمثيل رمزي يستجيب لضغوط اجتماعية أو التزامات شكلية؟

 

إن التمثيل في حد ذاته خطوة إيجابية إذا جاء بوصفه نتيجة طبيعية لكفاءة المرأة وقدرتها، لكنه يتحول إلى عبء حين يُختزل في كونه استيفاءً لنِسَب أو استجابة لشعار، دون أن يُترجم إلى دور فعّال أو تأثير حقيقي في صناعة القرار. فالتمكين لا يعني وجود المرأة في الصورة، بل قدرتها على الفعل، والمساءلة، وصناعة السياسات، وتحمل المسؤولية كاملة دون وصاية أو تمييز إيجابي مصطنع.

 

لقد أثبتت المرأة المصرية، عبر تاريخها الطويل، أنها شريك أصيل في بناء الدولة والمجتمع؛ من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والسياسة والعمل الأهلي. ولم يكن هذا الحضور وليد قرارات فوقية، بل نتاج خبرات متراكمة وكفاح طويل ضد تحديات اجتماعية واقتصادية وثقافية. ومن هنا، فإن التمكين الحقيقي يبدأ من الاستثمار في الإنسان: تعليم نوعي، تدريب مهني، إتاحة الفرص العادلة، وبيئة تشريعية ومؤسسية تُقيِّم الأداء لا النوع.

 

التمييز الإيجابي قد يكون أداة انتقالية في مراحل بعينها لتصحيح اختلالات تاريخية، لكنه لا يجب أن يتحول إلى قاعدة دائمة تُضعف مفهوم الجدارة. فالمرأة لا تحتاج إلى مقعد لأنها امرأة، بل لأنها الأجدر والأكفأ. وعندما تُختزل مشاركتها في كونها نموذجًا نسائيًا، فإن ذلك ينتقص من إنجازها ويُفرغ التمكين من مضمونه.

 

إن التحدي الحقيقي أمام الدولة والمجتمع هو الانتقال من منطق الحضور إلى منطق التأثير؛ من قياس النجاح بعدد النساء في المواقع المختلفة، إلى قياسه بحجم ما يقدمنه من حلول، ورؤى، وسياسات تخدم الصالح العام. تمكين المرأة المصرية يعني أن تكون جزءًا من منظومة تنافسية عادلة، تُفتح فيها الأبواب للجميع على أساس الكفاءة، وتُكسر فيها الصور النمطية دون استبدالها بأخرى مصطنعة.

وفي النهاية، فإن تمكين المرأة ليس قضية نسائية، بل قضية وطنية بامتياز. فمجتمع يُقصي نصف طاقته، أو يضعها في إطار رمزي، هو مجتمع يُعطِّل تقدمه بيده. أما المجتمع الذي يؤمن بأن الكفاءة لا جنس لها، وأن الفرصة حق للجميع، فهو وحده القادر على بناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة.