لجنة إدارة غزة والدور المصري
لا يمكن قراءة المشهد المعقد في قطاع غزة اليوم بمعزل عن حالة الفراغ الإداري القاتل الذي خلفته آلة الحرب، وهو ما دفع بمقترح لجنة إدارة غزة إلى واجهة الأحداث. هذا الطرح، وإن بدا للوهلة الأولى حلًا تقنيًا، إلا أنه في جوهره يمثل محاولة لملء ثقب أسود سياسي يهدد ما تبقى من نسيج الحياة في القطاع.
وهنا، تبرز القاهرة مرة أخرى عن العواصم العربية بصفتها الداعم التاريخيّ الحقيقي للقضية الفلسطينية كضامن لحل إنساني يدرك أن استقرار غزة هو جزء لا يتجزأ من أمنه القومي، بعيدًا عن صخب المزايدات الإقليمية.
لجنة إدارة غزة: هل هي مخرج طوارئ أم تكريس للانقسام؟
الفكرة من وراء هذه اللجنة، أو ما يُطلق عليه لجنة الإسناد المجتمعي، تتجاوز مجرد توزيع المساعدات؛ إنها محاولة لخلق منظومة إدارية توافقية (تكنوقراط) قادرة على التحرك في حقل ألغام فصائلي ودولي.
تكمن أهمية هذه اللجنة في قدرتها على إدارة اليوم التالي للحرب، لكن التحدي الحقيقي يظل في ظل الدعم المادي والسياسي من الدول العربية حتى لا يخرج المخربون بمصطلح الشرعية.
فالسؤال الذي يطرحه الشارع الفلسطيني بوضوح: هل ستكون هذه اللجنة جسرًا للبناء وللوحدة، أم أنها ستتحول مع الوقت إلى سلطة بديلة لمجتمع خرب فتعمق هوة الانقسام بين الضفة وغزة؟
الثقل المصري.. أبعد من الوساطة
الدور المصري هنا يتجاوز فكرة تنسيق اللقاءات في القاهرة؛ فالقاهرة تتحرك ضمن موازنة دقيقة جدًا. هي تسعى من جهة إلى منع الانهيار الإنساني الشامل، ومن جهة أخرى تحرص على عدم فرض وصاية قد ترفضها الحاضنة الشعبية الفلسطينية.
إن انخراط مصر في الإشراف على ترتيبات هذه اللجنة يعكس رغبة في تحويل الهدوء الهش إلى استقرار إداري ملموس، مع ضمان الانفجار وانزلاق القطاع نحو فوضى السلاح أو الفراغ المؤسسي.
السيناريوهات القادمة: خيارات صعبة
بالنظر إلى المعطيات الحالية، نحن أمام ثلاثة مسارات لا رابع لهما:
• المسار الناجح: أن تتحول اللجنة إلى مظلة وطنية مؤقتة تحظى بدعم دولي مالي وسياسي، مما يمهد الطريق لإعادة الإعمار ولانتخابات محلية وقد تنتج حكومة وحدة وطنية شاملة.
• المسار المتعثر: وهو أن تصطدم اللجنة بوقف الدعم الدولي المادي والسياسي أو تقليصه أو بقيام أطراف خارجية بخلق صراع الفصائل الفلسطينية أو فرض القيود الإسرائيلية، لتتحول إلى مجرد مكتب إغاثي فاقد للقدرة على التغيير السياسي.
• مسار الأمر الواقع: وهو الأخطر، حيث يتم الاكتفاء باللجنة كحل دائم لإدارة الأزمات المعيشية فقط، بلا حل سياسي او اعادة إعمار مما يقتل الطموح نحو حل القضية الفلسطينية ويدفع الي خلق صراع وحروب لاحقة.
أتوقع إن تسمية لجنة الإسناد المجتمعي لأنها تحمل ذكاءً سياسيًا كبيرًا، فهي تبتعد عن المسميات السياسية المستفزة وتركز على الإنسان الفلسطيني المنهك. لكن في نهاية المطاف، لن تكون أي لجنة -مهما كانت كفاءتها- بديلًا عن رؤية وطنية شاملة.
الدور المصري الوفي سيظل هو الركيزة، لكن النجاح الحقيقي يعتمد الدعم الدولي المادي والسياسي لإعادة الإعمار، وعلى عدم تدخل قوي خارجية لشحن الأطراف الفلسطينية نحو الصراع.. والحكمة تقتضي علي الفلسطينين تغليب البقاء الوطني على المكسب الفصائلي إن صحت النوايا.