مصر.. دولة تُحاصَر بالأزمات وتنتصر بالثوابت
رغم ما واجهته مصر خلال العقد الأخير من ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، فإنها لم تتعامل مع هذه التحديات باعتبارها أزمات عابرة، بل رأت فيها اختبارًا حقيقيًا لإرادة بناء دولة حديثة تمتلك بنية تحتية قوية واقتصادًا قادرًا على الصمود في وجه الصدمات الإقليمية والعالمية.
فمنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، دخلت البلاد مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: الاستثمار في المستقبل، حتى لو كانت التكلفة عالية في الحاضر.
شهدت مصر طفرة غير مسبوقة في مشروعات الطرق والكباري وتطوير وسائل النقل، إلى جانب التوسع الزراعي الأفقي عبر مشروع الدلتا الجديدة، لتعويض ما فُقد من أراضٍ زراعية في الدلتا القديمة بعد سنوات من التعديات العشوائية التي أعقبت أحداث يناير، والتي أضرت بالأمن الغذائي ورفعت أسعار السلع الزراعية.
ولم تقف الدولة عند هذا الحد، بل أنشأت أكبر محطات لمعالجة المياه في العالم، وفتحت شرايين جديدة للحياة في قلب الصحراء، في مشروعات وُصفت بأنها إنجازات استثنائية لدولة تخوض معركة بقاء وتنمية في آن واحد.
غير أن تنفيذ هذه الخطط الطموحة تزامن مع عواصف اقتصادية عالمية متلاحقة: تحرير سعر الصرف وما صاحبه من ضغوط تضخمية، ثم جائحة كورونا التي شلّت حركة التجارة الدولية، تلاها اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وما فرضته من أزمة غذاء وطاقة عالمية، ثم حرب غزة وتداعياتها الثقيلة على الإقليم، فضلًا عن أزمة سد النهضة التي تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن المائي المصري.
ضغوط سياسية.. وثوابت لا تُساوَم
وسط هذه الظروف المعقدة، وجدت مصر نفسها أمام ضغوط سياسية غير مسبوقة، في مقدمتها محاولات الدفع نحو تهجير الفلسطينيين إلى أراضيها، في إطار سيناريوهات تصفية القضية الفلسطينية. وكان واضحًا أن القبول بهذا الطرح كان من الممكن أن يفتح أبوابًا واسعة لحلول اقتصادية عاجلة، إلا أن القاهرة اختارت طريقًا آخر، طريق الثوابت التاريخية والالتزام القومي.
الرئيس السيسي رفض الفكرة بشكل قاطع، مؤكدًا أن “تهجير الفلسطينيين لن يحدث”، وأن الشعب الفلسطيني سيبقى على أرضه مهما كانت الظروف، رافضًا حتى فكرة الخروج المؤقت تحت أي ذريعة، في موقف وُصف داخليًا وخارجيًا بأنه تجسيد لمعنى الدولة الوطنية التي لا تساوم على مبادئها مهما بلغت الضغوط.
من المواجهة إلى السلام
هذا الموقف الصلب دفع الإدارة الأمريكية، برئاسة دونالد ترامب، إلى إعادة حساباتها، لتتبنى خيار الحل السياسي بدلًا من فرض حلول قسرية على حساب دول الجوار. وفي هذا السياق، برز الدور المصري مجددًا عبر استضافة مؤتمر السلام في شرم الشيخ، بحضور ترامب وعدد من قادة العالم..
ليكون نقطة انطلاق لمسار جديد أنهى الحرب في غزة وفتح الباب أمام ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، كان لمصر فيها حضور مؤثر تقديرًا لخبرتها التاريخية ودورها الإقليمي المتوازن.
رسالة ترامب إلى السيسي.. إشادة ودلالات
وفي ذروة هذا المسار، بعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالة رسمية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، حملت إشارات سياسية بالغة الدلالة، جاء فيها – بحسب نصوص متداولة من الخطاب:
“أود أن أعرب عن تقديري العميق للدور التاريخي الذي قامت به مصر بقيادتكم الحكيمة في إنهاء الحرب في غزة، وما أظهرتموه من شجاعة سياسية وإصرار على تحقيق السلام رغم كل التحديات. إن جهودكم الصادقة كانت حجر الزاوية في الوصول إلى هذا الاتفاق، وأؤكد لكم احترامي الشخصي لكم كصديق وشريك يعتمد عليه.”
وأضاف ترامب في موضع آخر من الرسالة:
“أفهم تمامًا أهمية نهر النيل لمصر باعتباره شريان الحياة لشعبها، ولو كنت في موقع المسؤولية وقت تفجر هذه الأزمة لما وصلت الأمور إلى هذا الحد. لا ينبغي لأي دولة أن تحتكر مياه النهر أو تنتقص من حقوق الآخرين، وإذا كانت إثيوبيا تسعى لتوليد الكهرباء، فعليها أن تراعي حقوق مصر التاريخية في المياه. هذه القضية ستكون على رأس أولوياتي وسأبذل أقصى الجهود للتوصل إلى حل عادل لها.”
مصر.. حين تتحول الأزمات إلى رصيد سياسي
هذه الرسائل لم تكن مجاملة دبلوماسية عابرة، بل عكست إدراكًا دوليًا متزايدًا لثقل مصر ودورها المحوري في إدارة أزمات الإقليم، من فلسطين إلى ليبيا والسودان، وصولًا إلى أمن البحر الأحمر وملف المياه. وهو إدراك تأسس على سياسة خارجية متزنة تجمع بين الصلابة في الثوابت والمرونة في إدارة الملفات، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية والانخراط المسؤول في قضايا المنطقة.
لقد أثبتت التجربة أن مصر، رغم ما تحمله من أعباء اقتصادية وضغوط سياسية، اختارت أن تنتصر لقيمها لا لمكاسبها الآنية، وأن تبني مستقبلها بصبر لا بشعارات، وأن تدافع عن قضايا الأمة بثبات لا بمساومات. وفي عالم تتبدل فيه المواقف بسرعة، بقيت القاهرة عنوانًا للدولة التي تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه، ومتى تقول “لا” حين يصبح الثمن هو التاريخ والهوية.
حفظ الله مصر، قيادةً وشعبًا، وجعلها دائمًا سندًا لقضايا الحق، وركيزة للاستقرار في منطقة لا تعرف الهدوء.