البرلمان بين الشرعية والثقة
انعقد مجلس النواب الجديد وسط قدرٍ كبير من الجدل السياسي والقانوني، ولا تزال تخيّم على أجوائه تساؤلات تتعلق بالعملية الانتخابية، وحدود التمثيل، وطبيعة الدور المنتظر من البرلمان في المرحلة المقبلة، وهي حالة وإن لم تكن استثنائية في تاريخ البرلمانات المصرية، إلا انها بلا شك تضع المجلس منذ لحظته الأولى أمام اختبار جوهري، هل سيظل أسيرا للجدل الذي صاحب نشأته، أم يحوّل هذه البداية المرتبكة إلى فرصة لبناء أداء مؤسسي أكثر نضجا واستقرارا؟
من الناحية الدستورية والسياسية، لا تُقاس قوة البرلمان فقط بسلامة إجراءاته الشكلية، وإنما بقدرته على اكتساب ثقة المجتمع. وهي ثقة لا يجدي معها الإنكار ولا الصدام، بل يتطلب بناؤها تعاملا هادئا ومسؤلا مع ما أُثير من لغط. ويستلزم ذلك أن يوجه البرلمان الجديد رسائل واضحة ومتزنة تؤكد احترامه للمسارات القانونية للطعن، والاطمئنان إلى سلامة الإجراءات، والانفتاح على حق الرأي العام في الفهم والمتابعة.
فالشفافية هنا ليست ترفا، بل تعبيرا ضروريا عن ثقة المؤسسة في نفسها. كما أن البرلمان، باعتباره مؤسسة سياسية في المقام الأول، مطالب بإتاحة مساحات حقيقية للنقاش وتعدد الآراء داخل القبة. فوجود الاختلاف المنظم لا يمثل تهديدا للاستقرار، بل يؤكد حقيقة أن البرلمانات القوية تُقاس بقدرتها على إدارة الاختلاف لا بإلغائه، وبقدرتها على استيعاب التنوع داخل المجتمع وتحويله إلى سياسات وتشريعات متوازنة.
ومن ناحية أخرى، تبقى الرقابة البرلمانية هي الاختبار الأهم لجدية أي مجلس نواب. فالرقابة لا تعني الخصومة مع الحكومة، ولا تستهدف تعطيل العمل التنفيذي، وإنما تهدف إلى تقويمه وتحسينه. إن استخدام الأدوات الرقابية الدستورية بكامل تنوعها من الأسئلة وطلبات الإحاطة إلى الاستجواب ولجان تقصي الحقائق، يعزز مكانة البرلمان، ويمنح السياسات العامة سندا سياسيا أوسع، ويحول دون تراكم الأخطاء أو تحصينها خلف منطق المجاملة أو الخوف من الصدام.
وأخيرًا، يظل التحدي الأكبر هو إعادة بناء الصلة بين البرلمان والمواطنين. فلا يمكن لمجلس أن يعبّر عن الناس إذا لم يسمعهم، ولا أن يكتسب ثقتهم إذا بدا بعيدا عن همومهم اليومية. وتظل جلسات الاستماع العامة، واستقبال شكاوى المواطنين داخل اللجان، وتقديم تقارير دورية تشرح ما أُنجز وما تعذر إنجازه وأسبابه، أدوات بسيطة لكنها فعالة في ترميم الثقة وتحويل البرلمان من مؤسسة بعيدة إلى مساحة تفاعل حقيقية.
مجمل القول، البرلمان الجديد أمام فرصة لا ينبغي إهدارها؛ فرصة لتحويل الجدل إلى حافز، والبداية المعقدة إلى مسار أكثر رسوخا فالطريق إلى ذلك لا يمر عبر الشعارات أو الدفاع المستمر، بل عبر ممارسة هادئة وواثقة لوظائف البرلمان الأساسية.